ان قبادا قال يوم ملك: افضل السلطان ما لم يخالطه كبر، وافضل العقل ما دعا الى صلاح الدنيا، واكيس الكيس التثبت في الامور، وافضل الاعوان المناصحون، وافضل السخاء ما لم يخالطه رياء. وانّه قام في النّاس خطيبا، فقال: ايها الناس تنكّبوا المزدولات من الاعمال، وعليكم باظهار المروّات، والسبق الى الغايات وطلب المحمدات، والسمّو الى أعلى الدرجات. صلوا ارحامكم، واعطفوا على فقرائكم، ووقّروا كباركم، وتعاطوا الحقّ بينكم، وثابروا على ما يعطف قلوبنا عليكم من حسن طاعتكم وصدق نيّاتكم. اقول قولى هذا، واستغفر الله لي ولكم.
فتوّلى «سوخرا» تدبير الملك، واصدر الامور مصادرها، واجرى السياسة مجاريها.
فأقبل الناس على سوخرا، وتركوا قبادا. فاعطى «1» قبادا على ذلك خمس سنين من ملكه.
فلما أتت له سبع عشرة سنة، كره ما رأى من استبداد سوخرا بالامور دونه، واصداره الامور من غير مشاورته، ولم يرض بذلك، وأصابته عليه انفة وذلّة. فكتب الى سابور بن بهرام من ولد بهرام الاكبر، وكان اصبهيد السواد يأمره بالقدوم عليه فيمن قبله من الجند.
فلما قدم عليه، وصف له امر سوخرا، وشكا اليه استبداده بالامور من غير مشاورته، فأمره بقتله. فغدا سابور في اليوم الثانى على قباد، فوجد سوخرا عنده جالسا؛ فمشى نحوهما وبيده وهق، فاستدار على سوخرا، فوهقه في عنقه، ثم اجتذبه حتى اخرجه من المجلس، فأوثقه حديدا، واستودعه محبسا، فمكث محبوسا ثلاثة ايّام. فلما كان اليوم الرابع؛ تقدم قباد الى سابور، فأمر بقتله، فقتله. وتولّى سابور الامر، وقام بالتدبير، فلم يكن يقطع أمرا الا بمشاورة قباد. فخمدت ريح سوخرا، وهبّت ريح سابور. فقالت العجم: خمدت نار سوخرا، وهبت ريح سابور. فأرسلوا ذلك مثلا قد بقى في افواه الناس الى اليوم. فلما مضى من ملك قباد عشر سنين، اتاه رجل من اهل المدينة، مدينة فسا «2» ، يسمى «مزدك «3» » فدعاه الى دين المزادكة، وساعده على أمره رجل من اشراف العجم، رجل يسمى زرادست «4» بن خركان. فجعل قباد يسمع منه، فيصغى الى كلامه، من غيران يعتقد شيئا من رأيه. فظّن اشراف اهل المملكة انّه قد همّ باجابته، والدخول في دينه. فاجتمعوا الى قباد، فخلعوه ملكه، وحبسوه في محبس، ووكّلوا بالمحبس رجلا من المرازبة في مائة رجل
(1) . يبدو الصحيح: فبقى
(2) . النهاية: لسنا، تاريخ: نساء ص: نسا
(3) . ينظر: مروج الذهب: 1/ 298
(4) . تاريخ: وافزتر ابن خركان، ص والنهاية: ورانست، طبرى (1: 893 و814) ويعقوبى (1: 164) «زراذشت بن خركان» أز مردم «فسا» (نيز ساسانى كريستنسن 361) .