كانت مستترة «1» عن عينه. فاذا هبّت الريح، بدا له منها بعضها حركة الغصون واضطراب الورق. فاذا بدت، استطرف ما يبدو له من حسنها. وحملت اليه الريح عابق طيب من رائحتها. فلبث يراقب تلك الشجر، الى ان جنّه الليل، فبات ذلك المكان لشدة صبابته بها واستحلائه لها. وجعل أصحابه يقفون اثره، حتى انتهوا اليه، حين اصبح «2» . فقال لهم: قفوا غير بعيد، فان الشى ء الذى حبسنى عنكم امر كلفّت نفسى بطلب المخرج منه دونكم. ثم أراهم الشجرة، وطفقوا ينظرون اليها. حتى اذا حرّكتها الريح، لاحت لهم الثمرة. فقال ان هذه شجرة لا نظير لها في الشجر. فان قطعتها عن موضعها وحملتها وغرستها حيث اريد، لا آمن ان لا يوافقها المواضع الذى اغرسها فيه، وان يغلظ عليها ماؤه ويجفو عن عروقها تربته، وان اقمت «3» عندها؛ أخللت بملكى، وفسد علىّ سلطانى. فقالوا له ان فسادها اصلح من فساد سلطانك، فاقتعلها واغرسها مقابل عينيك، فلعلها تسلم، وتدرك محبتها «4» ، فيجتمع لك مع «5» صلاحك امرك. فتناول الملك معولا بيده ثم ضرب الصخرة النابتة فيها، حتّى قلعها، وأمكنه لقلعها قلع الشجرة النابته فيها. فاقتلعها واحتملها، حتّى اتى بستانه، فغرسها فيه. فلمّا فقدت الشجرة اكلها، وفارقت منبتها، وباينت غذاءها؛ فذبلت عروقها، ويبست غصونها، وانكفأ حسن ثمرها، وذهبت رائحتها. فأعرض عند ذلك عنها، وطمع في رجوعه، ومؤالفتها التربة التى غرسها فيها لها. فلبثت بذلك «6» المكان حتى راجعت حسنا، وطلع ثمرها. فقال الموكل «7» لها في نفسه انّى متى اخبرت الملك برجوع نضارتها، ومعاودة حسنها، لم آمن ان يلهو بها عن غيرها من الشجرة التى تولّيت غرسها. غير انّ الرأى ان اخبر الملك بيبوستها، فلعّله يأمرنى بقلعها. فدخل على الملك، فنعاها له، فأفزع الملك، واقبل نحوها، لينظر اليها شفقة منه عليها. فلما رآها على احسن ما عهدها، اضعف سروره بها، بعد ان هجس في ضميره من الاياس منها. وكذلك انّما انا عاودنى فضلى، وظهر ما فقد من مؤاتاتى عند انسى بك، ومعرفتى بموضع هواك.
ثم وثبت، فاعتنقته، وقبلت وجهه. فلما سمع الملك مقالتها، وأصاب موافقة ما عندها، وسربها، واحبّ اظهار فضلها لها على ابنة السائس. ثم ملك نفسه. وكبح هواه، ليختبرها في اليومين الباقين، ويعرف هل لما اعجبه منها اصل ثابت؟ فلبث معها يزداد بها كل يوم
(1) . النهاية: باستتاره
(2) . تاريخ: استقر
(3) . النهاية: وقفت
(4) . النهاية: محبتّك لها
(5) . تاريخ: من
(6) . تاريخ: من
(7) . تاريخ: في ذلك