قدر على ضبط ملكه. فسماه بعضكم اثيما وبعضكم فظّا غليظا. فامّا نحن، فلم نزل لكم على ما افتتحنا به ملكنا من العدل واللين، مالم نرمنكم معصية، ولم نحسّ «1» منكم خلافا، ولم ندع الفحص عن حالاتكم، وتعّهد اموركم ومكافاتكم، بحسب ما تبذلون من طاعتكم، ويستقر عندنا من وفائكم ونصحكم. ان كان احسانا، جازيناكم باحسانكم؛ وان كان اساءة. فنتجاوز عن كل ما رجونا فيه عمومكم بالخير والافاضة بالفضل، ولا يكون لنا فيه فتور ولا تهاون. وقد رددنا خراجكم الى نصف ما كان يجب عليكم، وجعلنا ذلك باقيا لكم. ورأينا ان نزيد اهل الشرف واهل الفضل فضلا وعلوّا، لتعلموا انّ كل ما نالكم من احساننا ومعروفنا انّما هو لكم من سجيّتنا، فأعينونا بأحسن طاعتكم والمثابرة على مصالحكم، ان شاء الله تعالى.
فلما استقام لبهرام جور الملك؛ آثر اللهو على ما سواه، فلم يكن له همّة الا الشراب والصيد. فعتبت «2» الرّعية عليه، فطمع فيه من حوله من الملوك، ورجوا استباحة بلاده، والغلبة على ملكه. وكان اول من سبق الى المكابرة «3» له خاقان ملك الترك، وانه غزاه في ثلاثمائة الف رجل مقاتل من الاتراك، حتّى وغل في ارض خراسان، فشنّ فيها الغارة، واستاق مواشيها الى بلادهم. فلما بلغ اهل المملكة اقبال خاقان بالجيوش الى بلاده؛ تعاظمهم، فاجتمعوا، فدخلوا على بهرام، فقالوا: ايّها الملك قد رهقك هذا العدوّ، ولا ينبغي لك ان يشغلك عنه ما انت فيه من اللهو والصّيد والشرب والطرب، فاستعدّ للمسير، وتأهّب لمحاربته، لئلا تخرب مملكتك، فيلزمك عار ذلك ومسبّته بين الملوك.
قال لهم ان ربّنا الله فوّضنا اليه امورنا، ووثقنا به في كبت عدونا وكفايته ايانا شرّه، وقد توكّلت عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولم يمتنع عمّا كان عليه من الشرب واللهو والصيد. ثم اظهر انه يريد الخروج الى آذربيجان ليتصيّد في آجامها، ويلهو في مسيره اليها. فاختار من عسكره سبعة آلاف رجل، فاستخلف اخاه نرسى «4» بن يزدجرد. ثم خرج على فرس له محتفيا «5» جعبة وقوسا وطبلا، ومعه كلب سلوقى، وعلى يده بازى وامر اصحابه ان يخرجوا على تلك الهيئة التى هو فيها وسار بسبعة آلاف بازى وسبعة آلاف كلب. وأخذ طريق آذربيجان يتصّيد منزلا منزلا. فلم يشك اهل مملكته الّا انّه هرب.
فاجتمع عظماء اهل العراق واشرافهم على ان يوّجهوا وفدا الى خاقان ملك الترك بخراج
(1) . النهاية: نجد
(2) . النهاية: فتغيرت
(3) . النهاية: المكابدة
(4) . النهاية: رستم
(5) . النهاية: محتفلا