فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 486

والى جنب «1» القصر غدير ماء يطفح «2» بالماء الزلال. فقلت لاصحابى: انزلوا بنا على هذا الغدير! فنزلنا، ثم أتوا بأطايب الطعام. فأتانا غلام من أجمل ما يكون من الغلمان، وعليه لباس احسن ما يكون. فلسم علينا، وقال: ان والدي يقرئكم السلام، ويقول لكم لولا شغلي بعرس لنا لآتيتكم مسلما عليكم، قاضيا لما يجب من حقكم. فانّا نحب ان تتحّولوا الينا، فتقيموا عندنا يومكم هذا وغدا وبعد غد، ليبلغ من برّكم واكرامكم حسب الواجب.

قلنا: حيّاه الله وحيّاك من ولد، ابن من انت؟ قال: جروك «3» بن عمرو بن عبد عمرو الغسانى من آل جفنة من ملوك غسان. فقلنا للصبيّ: انطلق اليه، واقرأه السلام وقل له: قد تفضلت واحسنت وقضيت ما عليك، ونحن سائرون لا يمكننا المقام. فانصرف الفتى الى ابيه، وارتحلنا من ساعتنا مخافة ان يحبسنا عنده. وسرنا حتى أتينا ملك الروم، فأبلغناه رسالة ابي بكر، فلم يجب الى شى ء فآذنّاه بحرب وانصرفنا، حتى أتينا ابا بكر، فأعلمناه ذلك.

فندب ابو بكر المسلمين، فاستجاش قبائل العرب، حتّى اجتمع عنده ثلاثون الفا. فولّى عليهم ابا عبيدة بن الجرّاح، فسار بهم، حتّى وغل في ارض الشام. فأقام عليها، حتّى افتتحها، ونفى عنها ملك الروم. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله. فلمّا ملك معاوية بن ابى سفيان، وجهّني الى انطاكيه في بعض اموره. فسرت اليها، وسلكت ذلك الطريق الذى سلكته اوّلا، حتى انتهيت الى ذلك القصر، فاذا هو خراب قد تهّدم، وصار كهيئة التّل، وذلك الغدير الذى نزلنا على حافتّه قد اندثر، ولم أر أحدا هناك أسأله عن شى ء. فبقيت مبهوتا انظر يمينا وشمالا، ووقع بصرى على عجوز عمياء، فأتيت نحوها. فلما سمعت حسّى، قالت: يا هذا أسألك باللّه الا ما امسكت عنّى قليلا. ففعلت، فدخلت ثقبا. ثم قالت:

ما لك، عافاك الله! وما قصتّك؟ قلت: من انت؟ فقالت:

انا الدلفاء «4» بنت الملك جرول ... بنت من لم يزل ينيل ويفضل

بيت قومي ينتمي الى الحّي غسان ... ذي الحلم والنهى والتفضل

فلما سمعت منهما هذا الكلام، لم املك نفسى ان بكيت. فقلت: يا هذه، كفّى! فقد و

(1) . النهاية: جانب.

(2) . تاريخ: يصفح.

(3) . الصحيح: جرول

(4) . تاريخ: الرلفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت