والملك معه؛ دعا جرجيس الصبى فأتاه، فقال له ادخل هذا البيت، واكسر هذه الاصنام بقدرة الله. فدخل الغلام البيت، والملك قد تقدمه واقفا بين يدى الاصنام. فلما دخل الغلام انكبّت الاصنام كلها على وجهها. فقال الملك يا جرجيس ما هكذا وعدتني من نفسك. ثم أمر به، فأغلى الزيت، فطرحه فيه، حتى ذاب لحمه وعظمه. فلما جّن عليه الليل وردّ الله عليه جسمه وروحه. فأقبل حتى دخل على الملك. فبهت الملك متعجبّا.
فقال: يا جرجيس أحي لنا الموتى، حتى نرجع الى دينك. قال انطلقوا معى الى المقابر! فانطلقوا معه الى قبور حوله قرب ثلاثة عشر قبرا بقرب المدينة. فقال الملك: ان كنت صادقا فاسأل ربّك يحيي اهل هذه القبور الثلاثة عشر. فتقدم جرجيس فصلّى ركعتين، ودعا ربّه. فاذا بالموتى قد خرجوا من قبورهم احياء ينفضون التراب عن رؤوسهم. فقالوا:
نشهد ان لا اله الا اللّه، ونشهد انّ جرجيس رسول الله. وعادوا الى قبورهم. فغضب الملك من ذلك، فأمر به فقطع بالسيوف قطعة قطعة، فكانت آخر ميتة مات منها جرجيس.
فأرسل الله، جّل جلاله، نارا من السماء على ذلك الملك، فأحرقهم اجمعين.
قال الشعبى: ولم يزل آل جفنة بالشام دهرا طويلا يقرون الضعيف، ويصلون الناس ويعطون «1» . والدليل على ذلك القول قول حسان بن ثابت حيث يقول، شعرا:
يغشون «2» حتى ما تّهر كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
قال وحدثنى اوس بن عبد الله البارقى عن النعمان بن بشير الانصارى صاحب رسول الله، صلّى اللّه وسلّم، قال: ارسلنى ابو بكر رسولا الى قيصر ملك الروم، لادعوه الى السلام، او آذنه بحرب من الله، ووجه معي عشرة أنفار من المسلمين. فأتيته وهو بأنطاكية من بلاد الشام. فدفعنا الى قصر ابيض من أحسن ما يكون من القصور، وفوقه جوار كانّهن المها، واذا هنّ يرقصن، في وسطهن جارية كانّها البدر الطالع، وبيدها دّف تضرب به، وتتغنى بحلق شجى وهى عند ذلك تنشد وتقول، شعرا:
معشر الحسّاد موتو كمدا ... لم نزل نحن على ذا ابدا
غاب عنّا من بغانا «3» حسدا ... ليته مات بغّم كمدا
(1) . تاريخ: يطوعون
(2) . تاريخ: يعيشون
(3) . النهاية: يبغنا.