البيعة، وارتداده عن النصرانية. فلما مات ملك الروم سقط ما في أيدى جنوده، وخافوا على انفسهم، لانّهم كانوا في بلاد عدوّهم. وقد كان سابور قوي أمره، فمنع الميرة، فضاق بهم ذرعا. فاجتمع البطارقة والعظماء الى برسانوس ابن عم الملك، فقالوا: هلم لنملّكك علينا، لانّك احق بهذا الامر «1» من غيرك. فأبى عليهم، وقال: لست اتملّك على قوم لا يدينون بدينى، وكان على دين النصرانية. فقالت النصارى والاشراف: نحن على دينك، وانما كنّا نداهن الملك ونرائيه على ما كان عليه. فأجابهم الى ذلك، فبايعوه، ووضعوا على رأسه تاج الملك، ومنحوه الطاعة. فبلغ ذلك سابور وهو بقنطرة جارز، فأرسل الى الروم، ان اللّه قد قتل ملككم بظلمه لنا، وافساده علينا ارضنا، وشنّه الغارة في بلادنا، وكذلك ارجوا ان يفعل اللّه بكم، فقد تعدّيتم طوركم، وتخطيّتم الى ما ليس لكم. وانا مانع عنكم الميرة حتى تهلكوا من غير ان اهزّ في قتالكم سيفا، ولا اشرع اليكم رمحا. فلما وصل الكتاب الى برسانوس، قال: انّي لا آمن على هذه الارض بهلاك الملك ان يتجلّبوا علينا، فيحولوا بيننا وبين رجوعنا الى ارضنا، ويميلوا علينا، فيقتلونا. وبينى وبين سابور الملك مودة متقدمه، وانا صائر بنفسى اليه، حتى ادعوه الى الصلح، فنأمن على انفسنا الهلاك، وندفع عنا شرّ اهل هذه الارض، حتى نرجع «2» الى مملكتنا سالمين. قال له بطارقته: انا لانأمن عليك. فقال: لست اخاف على نفسى ذلك منه، للمودةّ التّى بيني وبينه. ثم مضى الى سابور في مائة فارس من عظماء بطارقته، وعلى رأسه تاجه. وبلغ سابور مسيره إليه، فاستقبله في مائة رجل من مرازبته. فلما التقيا، ترجّل كل واحد منهما لصاحبه، وعانق كل منهما صاحبه، وكان كل منهما مبتهجا بصاحبه، وتساء لا مليّا وسرّابه سرورا شديدا. وكتب الى جموع الروم يستصوب لهم تمليكهم برسانوس، واعلمهم انّه قد عفا عنهم. ولولا تمليكه ايّاهم؛ لأجلب عليهم اهل مملكته، ليقتلهم اجمعين.
فاصطلحوا على ان يبعث سابور الى الحرث بن عمرو بن ملك الغسانى مائة الف دينار دية الضيزن. وكان يقلب الحرث بن عمرو محرّقا لاحراقه من ناواه وخالفه وعصاه بالنار. وفيه يقول حسان شعرا:
ولدنا بني العنقاء وابني محرّق ... فأكرم بنا خالا واكرم بنا امّا
قال سابور لبرسانوس: ان الروم قد خربت ارضي وتخطّوا لى مدينتي التى فيها دار
(1) . النهاية: بالملك
(2) . تاريخ: نردّ