فيشرب كأسا، ثم يوضع فلا يسقى بكأسه احد غيره. ثم يدعى بالملاهى والمعازف واهل المجلس صموت لا يرجعون رؤوسهم ويغضون ابصارهم من هيبة الملك. ولا يهم كل امرئ الا نفسه. وان يظهر منهم زلة في كلامه او فعله، فيعاقب عليه كل ذلك بمحضر من الوفود. فيعجبون من حسن دعة رعيّته، ووقارهم وعظيم هيبتهم لملكهم، ليخبروا بذلك ملوكهم اذا رجعوا اليهم. فاذا أراد صرفهم، بعث اليهم، واحضرهم، قضى حوائجهم، وامرلهم بالجوائز والجمالات والكساء الفاخرة، وكتب جواب كتبهم. وان كانوا أتوه بهدية، بعث معهم بأفضل منها، فكانوا ينصرفون الى اصحابهم، فيفسّرون لهم كل ذلك، فتدخل هيبته في قلوبهم، وكانوا يعترفون له بالطاعة، فيصالحونه على المهادنة، ليكفوه عن بلادهم. فهذا ما كان من تدبيره في الوفود.
تدبيره في بناء المدن
وكان اردشير بابكان يأمر بالارضين، اذا رآها، فأعجبته، اوحدث عنها «1» اريحّية، ان يبنى مكان مدينة، فيسكنها طوائفا ممّن يؤتى به من أطراف الارضين، ليكثر بذلك رعيتّه، وتعمر بلاده، ويتّسع سلطانه، ويبقى له في الغابرين ذكره وآثاره. ويأمر بمدائن فتبنى في نواحى ارضه، ليحضر بها اهل الرساتيق، اذ هم هجم عليهم فزع او رامهم عدّو، فتكون لهم حرزا يأمنون فيها. وكان يقول انما أبني هذه المدن لينتفع بها من يكون بعدي. فأما في حياتي فلست احتاج اليها. على ان المدن جمال مايليها من الرساتيق والقرى ومأوى عظمائهم ومكان اسواقهم، وفيها مأمن الرّعايا، ويتّم ذكر لنا باق، وفخرنا في حياتنا. فهذا ما كان من تدبيره في بناء المدن.
تدبيره في اهل بيوتات الشرف
وكان اردشير بابكان يأمر اهل البيوتات والشرف وذوى الحساب ان يتعّرف شأنهم، ويختبر حالاتهم فأي اهل بيت منهم بلغه ايّهم خصاصة، وصلها، وحباهم، وأنعش حلقهم «2» ، وأي رجل منهم مات ولم يخلف بلغة؛ وكّل بولده من يقوم «3» عليه الى ان يكبروا وان كان له ولد يحتاجون الى التأديب، دفعهم للمؤدب. وان كنّ أيامى قد أدركن، زوّجهن الموّكل بذلك من اكفائهن. وكذلك اذا بلغ بنوه التزويج، زوّجهم من الاكفاء؛ ومنعهم من
(1) . الصحيح: عنه
(2) . تاريخ: خلقهم.
(3) . تاريخ: يعول