طعامهما وشرابهما. فخلّيا جميعا في تلك البيعة، يعبدان الله، جّل جلاله، جميعا، ويبكيان ويتضرعّان اليه. وقسما ليلهما ونهارهما اربعة وعشرين ساعة. فثلاث وعشرون ساعة منها للعبادة، وساعة لاجتماعهما للمحادثة والمطعم. فاستحكم حبّ كل واحد منها لصاحبه من غير تقربهما للمجامعة وهمّ بمباضعة. وان ابا الفتى فرخان بن افرين ملك نهاوند، توّفى فخرج مائة رجل من عظماء اهل مملكته في كل وجه يطلبون الغلام، فاقبلوا حتى صادفوا بذلك المكان حدثين جالسين بتلك البقعة، لمّا صارت الجارية معه.
فأستاذنوا بالدخول فأذن لهم. فدخلوا، وهم في تلك البيعة، والجارية الى جنبه. فلما نظروا اليه بكوا بصوت عال، وصرخوا واعولوا وقالوا: قد اصبنا بوالدك الملك السعيد.
فاسترجع الفتى وخنقته العبرة، وقال: يرحم الله ابانا! فقد كان طاهر الخليقة ظاهر الزهادة طيب الطعمة «1» رؤوفا بالرعية كريم الصفح كبير المّن باذل الجود. فإنا لله، وانّا اليه راجعون، وعند الله أحتسبه، فان المحسنين احياء، وان كانوا موتى. وانّ المسيئين لموتى، وان كانوا احياء. فقالوا انّا اتيناك لننطلق بك، فتقوم بشأننا، وتخلف اباك فينا. فقال الفتى: ان من اشفق الا يبلغه عمله نجاة نفسه لحقيق الا يتشاغل بغيره. ولي في نفسي من الشغل ما انا اولى به من شغلى بكم. قالوا: أولسنا من قبل عظم اشغالك، أوليس تركك ابانا مظلمة لنا قبلك؟! قال: وكيف ذلك؟ قالوا: اذا كان صلاحنا لا يكون الا بالله، جّل جلاله، ثم بك؛ تدعنا فمن الذى هو اظلم منك لنا؟ قال لهم: انّى قد رضيت بمكانى هذا، وقنعت بحالتي هذه، وانتم تصيبون من هو ارغب في أموركم منّى واقوم بشأنكم. قالوا: ان الانصاف اولى بك فاجعل، بيننا حكما يأخذ بحقنا منك ويأخذ لك بحقك منا. قال: بمن ترضون؟ قالوا:
بهذا الملك. قال: لست ارضى به، لانّى لا آمن ان يحيف عليّ، لانه صاحب دنيا قد زينّت له، فركن اليها. قالوا: فالناسك المقيم هاهنا «2» مع الملك. قال: قد رضيت به، فانطلقوا اليه.
وانطلق معهم حتى أتوه، وشهد الملك ذلك المجلس. فقالوا: ادام الله لك ايّها الناسك التوفيق والرشاد! فكما انّ الدلالة في الفيافى والبحور بالنجوم، فكذلك الدلالة من الدين والدنيا بالعلماء. وانّا اتيناك، وهذا الفتى لنحتكم، فتحكم بيننا، فنرضى بقولك، وتصدر عن رأيك. قال: تكلّموا! فقالوا: انّ لنا مرعى بأرض مسبعة وفيها شاؤنا «3» وأنعامنا، وان راعيها قد اهملنا، فقدمنا في طلبه، وتركناها، ولا حافظ لها الا الله، تبارك وتعالى، وقد ابى راعيها ان يرجع معنا لحفظها ورعايتها. فقال الناسك: قد تكلّم القوم، فتكلم! قال الفتى: انّ
(1) . تاريخ: المطعم
(2) . تاريخ: قالوا فماذر اباه الناسك ههنا (؟)
(3) . تاريخ: شياهنا