فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 486

ثم توفّى، فاجتمع عظماء اصحابه، ليصلحوا شأنه، فكفنّوه، وصلّوا عليه، وجعلوه في تابوت من ذهب ليوجّهوه الى أمّه بالاسكندرية، فيدفن هناك.

فقال قائل منهم: هذا الذى كان يأسر الناس فاصبح اسيرا. وقال آخر: هذا المفوّه البليغ في منطقه، قد اصبح صامتا. وقال آخر: هذا الالّد في الخصام قد اصبح عييّا، ولو كان هذا العيّ متقدما، كان افضل له. وقال آخر: هذا الذى لم يكن يجترى عليه بالامس، فها هو اليوم لا هيبة له. وقال آخر: هذا الذى كان السؤول عن دواوين دنياه، فها هو اليوم يسأل عن دواوين عمله. وقال آخر: ما كان احوجه الى هذا الصمت والحلم في حياته. وقال آخر:

طوى هذا دنياه تلك العريضة الطويلة في ثلاثة أذرع من الارض. وقال آخر: ما ازهد الناس في هذا الجسد، وارغبهم في هذا التابوت الذهبى! وقال آخر: لربّ يوم حرصنا فيه على سكوته، فلم يسكت، فها نحن اليوم نحرص على كلامه فلا يتكلم. وقال آخر: هذا صاحب الصّلات والعطايا، قد احتاج اليوم الى من يصله ويعطيه. وقال حاجبه: قد كنت قويّا على حجبه، فلما أتته منيّته، لم يغن عنه حجابى. وقال صاحب حرسه: ما قويت «1» على حراسته، فها أنا اليوم قد أسلمته لأعدائه. وقال خازنه: قد كان يأمرني بالحفظ والادخار، فاليوم الى من أدفع ذخائره، وقالت امرأة روشنك ابنة دارا: ما كنت احسب ان غالب دارا يغلب ويقهر، فها هو اليوم قد غلب وقهر. وقال كاتبه: قد كنت حافظا لحساب ملكه وسلطانه، فها انا اليوم قد ضيّعت كتابته «2» .

ثم حمل في ذلك التابوت الذهب الى الاسكندرية، فوضع امام أمّه. فاجتمعت فلاسفة الاسكندرية، فقالت أمّه: يرحم الله ابني وقرة عيني، فقد نال من الدنيا امله، ولم يكن شى ء عنده آثر ولا اقّر لعينه من طاعة ربه، عزّ وجلّ «3» . ولقد أمرني في كتابه بالصبّر عنه. وقد انتهيت في ذلك الى امره.

وقال عظيم اولئك الفلاسفة: ايها الساعى في هلاك نفسه، جمعت الاموال لغيرك، وصار حسابها عليك!

وقال آخر منهم: يا ذا الذى تمادى في غيّه وتلوّث في دنياه، قد افضت دنياك الى من لا يحمدك!

وقال آخر: يا ذا الامانى والغرور، لم تتزّود من دنياك الا هذا التابوت الذهبى الذى

(1) . تاريخ واصل: ماثويت

(2) . ينظر: مروج الذهب- تحقيق يوسف اسعد داغر-: 1/ 320/ 324

(3) . تاريخ: طاعة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت