تهامة ليحجّ في من معه. وكان ذلك في ايام الموسم عامدا لمكة، حتى دخلها، وسكانها يؤمئذ خزاعة، وقد غلبت على مكة والحرم وذلك في عصر النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضّر. فاقبل اليه النضر في ولد من بنى مدركة، فسلموا عليه، واعلموه انّهم من مصاص «1» ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن. فقرّب مجالسهم، ورحّب بهم، وحباهم، وعرف فضلهم وولادتهم من اسماعيل وقال للنضر بن كنانة: ما بال خزاعة أولى بهذا الحرم منكم؟ وانما كانت ماثرة ابيكم اسماعيل! فاخبره النضر بما كان من غلبة جرهم بن قحطان عليه، وانّه كان في ايديهم عصرا من الدهر، حتى احدثوا فيها احداثا منكرة لم يرضها الله، فسلطّ الله، عزّ وجلّ، عليهم خزاعة. فحاربوهم عليه، حتى نفوهم عن الحرم. وانّهم قد احدثوا من الالحاد والظلم اكثر ممّا احدثت ولد جرهم.
ثم ان الاسكندر قال لخزاعة: اخرجوا عن هذا الحرم، وخلّوه للنضر بن كنانة، ولقومه! فانّه ماثره أبيهم، وهم أحق به منكم. فقالوا: ايها الملك. انّه إرث ابينا. فخيرّهم بين القتل، او الخروج عنها. فاختاروا الخروج منه «2» . فخرجوا حتى انتهوا الى الجبل، ونزلوا هناك.
واقبل النضر بن كنانة، حتى نزلها في اهل «3» بيته.
ثم استخلف قريش على الحرم ومكة دون ولد «4» اسماعيل ابن ابراهيم، وقال لهم: انتم خير البرية، وسيبعث منكم في آخر الزمان نبّى كريم وسيم قسيم حليم يكون خاتم الانبياء وصاحب أخبار السماء اسمه محمد، يكون الملك في ولده واهل بيته الى يوم القيمة.
ثم ركب البحر من جّدة، فصار في ارض مصر في مسيرة شهر، فاستقبله قيطون ملك مصر بالانزال، فكان من طاعته. فبنى الاسكندرية، واشتق لها اسما من اسمائه، ونزلها في جنوده وعساكره، واقام بها ثلاثة احوال. فقال له وزيره فيطوس: ايها الملك ان ارض مصر اكثر اهل الارضين صناعا، ولابد لعسكرك من صنّاع يكونون فيه حيث ما توجهّت. فأمر ملكها ان يجمع له من جميع اصناف الصنّاع. فاختار له من اهل «5» كل صناعة. فكان عددهم خمسة الاف رجل. فوعدهم الاسكندر من نفسه خيرا، وقال لهم انّى سأقطع لكم الارضين، فانظروا ايّة ارض تهوونها حتى انزلكم فيها، واقطعكموها، مع ما تنالون من
(1) . الصحيح: مضاض من
(2) . تاريخ: عنها
(3) . النهاية: اهيل
(4) . كما جاء في المتن
(5) . النهاية: اهيل