رجع الحديث الى ذكر ملوك العجم
قال عبد الله بن المقفع: ثم ان دارا بن بهمن لما قتل ذا جيشان، وهزم جنوده؛ دخله الزهو لذلك والعجب، فاستنهد «1» مائة الف رجل من ابطال العجم، وسار نحو ارض الروم.
وجمع الفيليفوس «2» ابو الاسكندر ذى القرنين بطارقته «3» وجنوده اليه، فسار في جموعه وعامة عساكره اليه. فالتقوا بارض الشام، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الغلبة لدارا ابن بهمن، فصالحه الفيليفوس على اتاوة يبعث بها اليه كل عام، وهى الف بيضة من ذهب، وزن كل بيضة اربعون مثقالا. فرضى منه دارا بذلك كراهة للبغي، وانصرف الى ارضه. وكان الفيليفوس يوجّه الى دارا كلّ عام حتّى مات دارا.
قال: ولما هلك دارا بن بهمن، ملك ابنه دارا بن دارا بن بهمن. فلما افضى اليه الملك؛ تجبّر وعتا عتوّا شديدا، وطغى، واستكبر. وكانت نسخة كتبه:
من دارا بن دارا المضى ء نور سلطانه الشمس الى فلان بن فلان. وكان عظيم السلطان كثير الجنود والغلمان، وكان اول من انقاد له ذو جيشان بن ذى جيشان ملك اليمن، والفيليفوس ملك الروم، وخاقان ملك الترك، انقادوا له جميعا لكثرة جنوده وقوة ملكه.
ذكر سيل وادى «4» العرم بارض اليمن
وفى عصر ذى جيشان سال وادى العرم بارض اليمن، فاخرب الامكنة التى كانت اعمر ارض اليمن عمر انا واكثرها شجرا وريفا «5» وحدائقا وجنانا. وكان ما اخرب ذلك السيل بلاد كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وكان سيد بني كهلان في ذلك الزمان عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن وعمرو بن عامر، وهو جد خزاعة. فمات عمرو بن عامر بن حارثة قبل سيل العرم، وتخلّف في سؤدده ورياسته اخوه عمران بن عامر وكان سيد بني كهلان وكان له سخاء وفضل وجود وبذل. وكان له ولولد اخيه من الحدائق والجنان ما لم يكن لاحد من بني قحطان مثلها. وكانت فيهم امراة كاهنة تسمى طريفة «6» . فاقبلت ذات يوم حتى وقفت على عمران بن عامر، وهو في نادي قومه، فقالت: والظلمة والضياء والارض والسماء ليقبلن اليكم الماء، كالبحر «7» اذا طمى،
(1) . النهاية: فاستنهض
(2) . هنا: الفيلسوف، تاريخ: الفيلقوس؛ وينظر: مروج الذهب: 2/ 179
(3) . تاريخ: بطارقة
(4) . تاريخ: ذى
(5) . تاريخ: ريعا، النهاية: رونقا
(6) . هنا: ظريفة
(7) . هنا: كالسحاب