وجه الدلالة مما ذكر من أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا لا يرون نجاسة طين المطر وان خالط نجاسة فشوارع المدينة لا تخلوا غالبًا من روث وبعر الحيوانات ومن نجاسات أخرى.
وأعترض أن ماء المطر وإن كان طاهرًا مطهرًا، فإن استعمل أو اختلط وغلبت عليه النجاسة فقد صفة الطهارة والتطهير بالاتفاق إذا تغير أحد أوصافه [1] .
أما حديث الإعرابي الذي بال في المسجد فالماء الذي صب على بوله قد غلب النجاسة والحكم للغالب، وما ورد عن الصحابة والتابعين من أخبار هي أقوالهم ونقل بعضهم خلاف ذلك كما أن هنالك من يخالفهم من أقرانهم.
وأجيب أن ما ذكر من وجود النجاسة في الطين هو مسلّم به إلا أن الشارع ألغى حكم الغالب وهو وجود النجاسة واثبت حكم النادر وهو سلامة الطين من النجاسة فيصلى به من غير غسل، رخصة وتوسعة للناس [2] ، ومن هذا الباب اخذ الصحابة والتابعون بهذه الرخصة وأفتوا بها.
أدلة أصحاب القول الثاني
ما رواه عمر بن قيس عن عطاء قال (كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون حفاة فما وطأوا عليه من قشب [3] رطب غسلوه، وما وطأوا عليه من قشب يابس لم يغسلوا) [4] ،وعن أبي رجاء العطاردي قال سمعت أبن عباس يوم الجمعة على هذا المنبر في يوم مطير يقول (صلوا في رحالكم ولا تأتوا بالخبث تنقلونه بإقدامكم إلى المسجد
(1) ينظر تحفة الفقهاء 1/ 56؛ الكافي في فقه أهل المدينة لأبن عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمر القرطبي (ت 463 هـ) ت محمد محمد احيد ولد ماديك المريتاني (ط 2) مكتب الرياض الحديثة 1400 هـ 1980 م 1/ 175؛ المجموع 1/ 110؛ الشرح الكبير لأبن قدامة 1/ 24؛ المحلى 1/ 135
(2) ينظر أنوار البروق في أنوار الفروق، لأبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القراضي (ت 684 هـ) ، ت خليل منصور دار الكتب العلمية 1418 هـ 1998 م، 8/ 169
(3) القشب، الصدأ ومن الطعام ما يلقي منه مما لا خير فيه، المعجم الوسيط 2/ 735
(4) المدونة 1/ 127