ثانيها: التيسير على الطالب فِي تمييز القراءات المقبولة من غيرها فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة. أما إذا اشترط التواتر فإنه يصعب عليه ذلك التمييز لأنه يضطر فِي تحصيله إلى أن يصل إلى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب فِي كل طبقة من طبقات الرواية. وهيهات أن يتيسر له ذلك.
ثالثها: أن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر فِي إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة. بيان هذه المساواة أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة فِي أفضل عهودها وهو عهد الصحابة فإذا صح سند القراءة ووافقت قواعد اللغة ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادا.
ولا تنس ما هو مقرر فِي علم الأثر من أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك.
فكأن التواتر كان يطلب تحصيله فِي الإسناد قبل أن يقوم المصحف وثيقة متواترة بالقرآن. أما بعد وجود هذا المصحف المجمع عليه فيكفي فِي الرواية صحتها وشهرتها ما وافقت رسم هذا المصحف ولسان العرب.
قال صاحب الكواكب الدرية نقلا عن المحقق ابن الجزري ما نصه: قولنا: وصح سندها نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله وهكذا حتى ينتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم.
وقد شرط بعض المتأخرين التواتر فِي هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر1. وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن. وهذا مما لا يخفى ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من موافقة الرسم وغيره. إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه ا هـ.