ونحن إذا استعرضنا تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم نشاهد العجب فِي عظمة تأديب الإسلام لهم وتربيته إياهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما ناحية الصدق والأمانة والتثبت والتحري والاحتياط. وذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم لهذه الفضائل ومن عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بهم علما وعملا ومراقبة حتى أصبحوا بنعمة من الله وفضل منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبعة نفوسهم بمبادئ الشرف والنبل تأبى عليهم كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التهجم. لا سيما التهجم على مقام الكتاب العزيز وكلام صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة رضي الله عنها:"ما كان خلق أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة لله عز وجل"رواه مسلم فِي مقدمة صحيحه.
عوامل أخرى
إذا استعرضت بعض العوامل السابقة فِي حفظ الصحابة للكتاب والسنة تجد منها عوامل صالحة أيضا لأن تكون دواعي تثبتهم فِي الكتاب والسنة ولهذا اكتفي بالإشارة إليها دون إعادتها:
1 -فذكاء العرب وقوة حوافظهم وصفاء طبعهم إلى آخر ما ذكرنا فِي العامل الثاني هناك. لا شك أنه داعية من دواعي تثبتهم أيضا لأن الشأن فيمن نشأ على هذه الصفات أن يكون واثقا مما حفظ فلا يحتاج إلى تزيد ولا يقع فِي تهجم.
2 -وحب الصحابة لله ولرسوله عامل كذلك من عوامل التثبت لأن المحب الصادق لا يقنع إلا بما يثق أنه كلام حبيبه من غير لبس ولا شك ولا يرضى أن يفتري الكذب على حبيبه ولا يقبل أن يتقول عليه أو يتهجم فِي كلامه خصوصا إذا عرف أنه يكره ذلك منه. انظر العامل الرابع من عوامل الحفظ.