فهل يستبيح عاقل منصف لنفسه أن يقول: إن الصحابة الذين سمعوا هذه النصائح وتلك الزواجر عن التزيد والافتراء يقدمون على كذب فِي القرآن والسنة أو يقصرون فِي التثبت والتحري والاحتياط فِي نقل الذكر الحكيم والهدي النبوي الكريم ؟.
العامل الثالث
أن الإسلام أمرهم بالصدق ونهاهم عن الكذب إطلاقا فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}
وأنت خبير بأن هذا الخطاب بهذه الصيغة فِي هذا المقام مع تقديم الأمر بالتقوى فيه إشارة إلى أن الصدق المأمور به من مقتضيات الإيمان ومن دعائم التقوى ويفهم من هذا أن من كذب وافترى فسبيله سبيل من كفر وطغى. كما صرح سبحانه بذلك فِي قوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما فِي الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما فِي النار"رواه ابن ماجه.
وعن صفوان بن سليم رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا ؟ قال:"نعم". قلنا: أفيكون بخيلا ؟ قال:"نعم". قلنا: أفيكون كذابا ؟ قال:"لا"أخرجه مالك. فانظر إلى الحديث الأول كيف جعل الصدق هاديا إلى البر وإلى الجنة وجعل الكذب هاديا إلى الفجور وإلى النار. ثم انظر إلى الحديث الثاني كيف اعتبر الكذب أفحش من الجبن والبخل وأخرجه فِي هذه الصورة الشنيعة التي لا تجتمع هي والإيمان فِي نفس واحدة أبدا.