وقال غير الحسن: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) - وكانت فِي أعناقهم
شهادة - أن يقيموها.
فأما إذا لم يكونوا شهداء فهم مخيرون فِي ابتداء
الشهادة، إن شاءُوا شهدوا وإن شاءُوا أبوا.
ويدل على توكيد أن الشاهد ينبغي له إذا ما دعي ابتداء أن يجيب.
قوله تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) .
أي لا تملوا أن تكتبوا ما أشْهَدتم عليه، فقد أمِرُوا بهذا، فهذا يَؤكد أن
أمر الشهادة فِي الابتداءِ واجب، وأنه لا ينبغي أن يُمَل ويقال سئمت أسأم
سآمة. سأماً.
قال الراجز:
لما رأيت أنه لا قامة...وأننِي سَاق على السآمَة
نزعتُ نزعاً زَعْزَع الدعَامَة
ومعنى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً) .
أكثر القراءِ على الرفع (تِجَارَةً حَاضِرَةً) على معنى: إلا أن تقَع تِجارةَ
حاضِرة. ومن نصب تجارة - وهي قراءَة عاصم فالمعنى إلا أن تَكونَ المُداينة
تجارةً حاضرةً.
والرفع أكثرُ وهي قراءَة الناس.
فرخص اللَّه عزَّ وجلَّ فِي ترك كتابة ما يديرونه بينهم لكثرة ما تقع
المعاملة فيه، وأنه أكثر ما تقع المتاجرة بالشيء ِ القليل، وإن وقع فيه الدين.
ووكدَ فِي الاشهاد فِي البيع فقال:
(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وقد بيَّنَّا ما الذي رخص فِي ترك، الإشهاد.
ومعنى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) .
قالوا فيه قولين: قال بعضهم: (لَا يُضَارَّ) : لا يضارِرْ، فأدغمت الراءُ
في الراءِ، وفتحت لالتقاءِ الساكنين، ومعنى (لَا يُضَارَّ) لا يكتب الكاتب إلا
بالحق ولا يَشْهدُ الشاهد إلا بالحق.
وقال قوم: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) : لا يُدْعَى الكاتبُ وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك
لا يُدْعى الشاهد ومجيئُه للشهادة يضُرُّ به والأول أبينُ
لقوله: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)