قلتُ: هذا جوابُ دهشةٍ وحيرة، حين تَطيشُ عقولُهم من زفرة جهنَّم.
أو المعنى: لا علمَ لنا بحقيقةِ ما أجابوا به، لأنَّا لا نعلم إلَّا ظاهره، وأنتَ تعلمُ ظاهِرَه وباطنَه، بدليل آخر الآية.
وقيل: المرادُ منه المبالغةُ في تحقيق نصيحتهم، كمن يقول لغيره: ما تقول في فلانٍ؟! فيقول: أنتَ أعلم به منّي، كأنَّه قيل: لا يحتاج فيه إلى شهادة لظهوره.
46 -قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السمَاءِ. .) الآية.
فإن قلتَ: كيف قال الحواريُّون ذلك - وهم خُلَّصُ أتباعِ عيسى - وهو كفرٌ، لأنه شك في قدرة اللّه تعالى وذلك كفر؟! (1)
قلتُ: الاستفهامُ المذكورُ، استفهامٌ من الفعل، لا من القُدرة، كما يقول الفقير للغني القادر: هل تقدرُ أن تُعطيني شيئاً؟ وهذه تُسمَّى استطاعة المطاوعة، لا استطاعة القُدرة.
والمعنى: هل يسهُل عليكَ أن تسأل ربك؟ كقولك لآخر: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وأنتَ تعلم استطاعته لذلك.
فإن قلتَ: لو كان ما ذُكر مراداً، لما أنكر عليهم عيسى بآخر الآية؟
قلتُ: إنكارُه عليهم إنَّما كان لِإتيانهم بلفظٍ، لا يليق بالمؤمن المخلص ذكره.
(1) لم يكن سؤالهم عن شكٍ في قدرة الله تعالى، لأنهم مؤمنون، وهم خواصُّ أصحاب عيسى ابن مريم، وإنما سألوه سؤال مستخبر: هل ئنزِّل أم لا؟ فإِن كان يُنزَلُ فاسأله لنا، فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت، وهذا خلاصة قول الحسن البصري.