واعلم أن أعلى هذه العلوم كتاب الله - تَعَالَى جَدُّهُ، وتعاظمَ علاؤه وثناؤه - فهو الْنُّورُ الْمُبِينُ، وَالْكِتَابُ الْمُسْتَبِينُ، الَّذِي هُو أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرُ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، السَّائِرَةِ فِي الْآفَاقِ، الْبَاقِي بَقَاء الْأَطْوَاقِ فِي الْأَعْنَاقِ، الْجَدِيدُ عَلَى تَقَادُمِ الْأَعْصَارِ، اللَّذِيذُ عَلَى تَوَالِي التَّكْرَارِ، الْبَاسِقُ فِي الْإِعْجَازِ إِلَى الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، الْجَامِعُ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، الْجَالِي بِأَنْوَارِهِ ظُلَم الْإِلْحَادِ، الْحَالِي بِجَوَاهِرِ مَعَانِيهِ طَلَى الْأَجْيَادِ.
وهو العروة الوثقى التي من تمسك بها فاز بدرك الحق القويم، والجادّة الواضحة التي من سلكها فقد هدي إلى الصراط المستقيم.
فكتاب الله - تعالى - هو المرشدُ إليه، والدليلُ عليه.
فأيّ عبارة تبلغ أدنى ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم؟
وأيّ لفظ يقوم ببعض ما يليق به من التكريم والتفخيم؟
كلا والله إن بلاغات البلغاء المصاقع، وفصاحات الفصحاء البواقع، وإن طالت ذيولها، وسالت سيولها، واستنت بميادينها خيولها، تتقاصر عن الوفاء بأوصافه، وتتصاغر عن التشبث بأدنى أطرافه، فيعود جيدها عنه عاطلا، وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا، فهو كلام من لا تحيط به العقول علما، ولا تدرك كنهه الطباع البشرية فهما، فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه من الأوصاف العظام أولى بالمقام، وأوفق بما تقتضيه الحال من الإجلال والإعظام.
فكتاب الله تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم، وهو - كما قال الزركشي - العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجّة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره. بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسّم لفظه ومعناه، إلى ما ينشط السامع، ويقرّط المسامع، من تجنيس أنيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، وتقسيم وسيم، وتفصيل أصيل، وتبليغ بليغ، وتصدير بالحسن جدير، وترديد ما له مزيد إلى غير ذلك مما احتوى من الصياغة البديعة، والصناعة الرفيعة، فالآذان بأقراطه حالية، والأذهان من أسماطه غير خالية فهو من تناسب ألفاظه، وتناسق أغراضه، قلادة ذات اتساق ومن تبسم زهره، وتنسّم نشره، حديقة مبهجة للنفوس والأسماع والأحداق كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن طلعتها غرّة، ومن بهجتها درّة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل ممن له الأمر، فله على كل كلام سلطان وإمرة، بهر تمكّن فواصله، وحسن ارتباط أواخره بأوائله، وبديع إشاراته، وعجيب انتقالاته من قصص باهرة، إلى مواعظ زاجرة، وأمثال سائرة، وحكم زاهرة، وأدلة على التوحيد ظاهرة، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ومواقع تعجّب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار إن كان سياق الكلام ترجية بسط، وإن كان تخويفا قبض، وإن كان وعدا أبهج، وإن كان وعيدا أزعج، وإن كان دعوة حدب، وإن كان زجرة أرعب، وإن كان موعظة أقلق، وإن كان ترغيبا شوّق.
هذا، وكم فيه من مزايا ... وفي زواياه من خبايا
ويطمع الحبر في التقاضي ... فيكشف الخبر عن قضايا