لقد عميت عينه عن كلِّ أمجاده - إن كانت له أمجاد - فأهملها ولم يقم لها وزنًا، ورأى أنَّ سبب فخره الوحيد هو طول شعر امرأته، وحُقَّ له ذلك لأن معاقرة الخمر تدفن مواهب العقول على رأى من قال:
شربت الخمر حتى ضل عقلى ... كذاك الخمر تفعل بالعقول
إنَّ هذا الرجل قد أجاد في قوْلَبَةِ اللفظ وتضمين المعنى في دوائر الحرام من كل طريق، لكنه أثيرٌ عند من تمثل زليخا من المثقفات العرب التي سكن من أفكارهن ما بين الجلد وسترته، وهن مع ذلك قريرات العيون ساكنات الفؤاد، وكيف لا وحديثه السحر البراق:-
منذ ثلاثين سنة
ألعبُ باللغاتِ مثلما أشاء
وأكتب التاريخ بالشكل الذي أشاء
واجعل الحروف، والنقاط، والأسماء، والأفعال
تحت سلطة النساء [1] .
وقد صدق هذه المرة، فهو يلعب بنظم الكلمات كما يشاء ويسجل التاريخ من خلال وجهة نظره التي لا تسلم من نقودٍ وتعديلٍ، وقد سخر جُلَّ طاقاته الإبداعية ليحرك الغرائز الدنيا في نفوس النساء، وهل هناك من يكال له من مكاييل المدح والتدليل ويرفضه؟!
لقد صدَّقَتْهُ المرأة بعدما بسط لها الأرض أزهارًا ووردًا لكن أشواكه نالت من براءتها ونقائِها وأخلاقها.
إنه يحاور عقلها بشيء من المنطق أولًا ثم تنزلق أقدامه سراعًا إلى منحدرات المعانى التي عاشت بنبض روحه وكيانه ويدعوها إلى الانحدار.
وشربت بنت الحضارة المعاصرة من الوهم والخمر والأحلام والفوضى كما دعاها شاهرها وتركت الباقى عليه، وإذا به يهامسها في جلاءٍ بلا خفاء بكلامٍ لا يعرف الحياء الذي لم يتذوقه كاتبه من أي طريق.
(1) - نزار قبانى/ الأعمال الكاملة ج 4 ص 102 ط 2 1998 - م منشورات نزار قبانى - بيروت - لبنان.