هذا نموذجٌ باهرٌ من النماذج التي أعزَّهَا القرآن الكريم بذكرها من النساء القلائل اللاتي انفردن بهذه الميزات الإنسانية الكريمة.
ومن النساء الكريمات في كتاب الله"آسية بنت مزاحم"زوجة الفرعون الغاشم المدعي للألوهية كذبًا وزورًا، فقد آمنتْ بالله تعالى وصبرتْ على لأواءِ العذاب الذي كان الفرعون يصنِّفُ لها من ألوانه ما لا يطاق، لكنها اعتصمت بإيمانها وأبلت بلاءً حسنًا في هذا الاختبار الذي كلَّفَهَا مفارقة الحياة بأثر العذاب، لكنها كانت باسمة الثغر مقبلةً على الموت بنشوة المشتاق مما أثار عجب هذا الطاغية الذي نعتها بالمجنونة لما رآيها تضحك وهى في شدة العذاب، لكن أمثاله لا يعلمون أن الله عز وجل قد أراها بيتها في الجنة بعد طلبها من ربها بيتا لها في الجنة قال الله تعالى {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [1] .
إن هذا المثال النادر من النساء يمثلُ القمَّةَ في الصبر واليقين ويرسم صورة لطرازٍ تميز بالمبادئ وحمى حماها، فعليك السلام يا آسية.
ومن أعظم النساء ذكرًا في القرآن الكريم السيدة"مريم بنت عمران"والدة نبي الله عيسى عليه السلام، تلك العابدةُ الطاهرةُ النقيَّةُ المُبتلاة التي وقع فيها البعض بالقول الشنيع ووقع فيها البعض الآخر بالتقديس الذي يستحيل أن يكون إلا لله فقط، خالق البرايا من العدم، وما أجمل وصف القرآن العظيم لها لما نزلت إليها ملائكة الرحمن قائلةً: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [2] . ودائمًا ما تحفل آياتُ الكتاب العزيز بالتقديرِ والتَّكرِيمِ للبتولِ مريمَ عليها السلام إذ يذكُرُهَا الله تعالى ضمن ثُلةٍ كَريمةٍ من قدوات الخير للأنامِ ألا وهم الأنبياءُ، وهل هناك أجلُّ من أن ينزل الله في القرآن سورةٌ كاملةٌ تسمى سورة"مريم"ويقول الله
(1) - سورة التحريم الآية (11) .
(2) - سورة آل عمران الآية (42 - 43) .