بفكرها الثاقب وعقلها اللماح، فقد جاءها كتاب نبي الله سليمان عليه السلام على حين غِرّةٍ منها ومن قومها بطريقةٍ لا تخطر بالبال ولا تدور بالخيال، ولهذا كان وصفها لهذا الكتاب يشي بمعانى الاحترام والمهابة في خاطرها لما قالت: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [1] .
وهى التي مارست الديمقراطية (كمصطلحٍ حديثٍ) مع قومها إذْ فتحت لهم أبواب التشاور وتداول الرأى وعدم الانفراد بالقرار حين قالت {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [2] .
إن حديث القرآن عن بلقيس يبدي ما تتمتع به من قوة الشخصية.
وهذا يعرف من مواقفها ويستلهمه أولو الألباب من بين السطور وهى مع ذلك لا تعرف الاستبداد والقهر والفرعونية الجامحة التي تحتقر العقول وتغتال المواهب وتطلق عجيجًا ممقوتًا يصدم أولى النهى بقول من قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [3] ، ويسجل القرآن الكريم لهذه المرأة أيضًا حسن تعاملها مع الموقف لما ارسلت هديتها إلى نبي الله سليمان عليه السلام حتى تكْتَنِهَ سِرَّهُ وتقف على حقيقة أمره، فلا عجبَ - بعد ذلك - أن نشهدها وهي تنطق بالحكمة المسطورة في كتاب الله: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} .. وانتهى كلامها مع قومها حول هذا المعنى وإذا بالتعقيب الإلهى يأتي مصادقًا على قولها ومثبتًا رجاحة عقلها وانفرادها في قومها بالحكمة قال تعالى { .. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [4] .
وأخيرًا .. ظهرت رجاحة عقلها في آخر مشهد من مشاهد قصتها لما أعلنت إسلامها حين قالت {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .. [5] نعم .. أسلمت لله مع نبي الله سليمان، تساوقت النفوس في الاكتناز من نفحات الإيمان.
(1) - سورة النمل (29) .
(2) - سورة النمل جزء الآية (32) .
(3) - سورة غافر (29) .
(4) - سورة النمل الآية (34) .
(5) - سورة النمل (44) .