وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا، فقد كان لا يقطع برأي، ففي موقفه من مسألة النفس يقول:"لا سبيل إلى القطع في شيء مما قيل من المذاهب في حقيقة النفس الإنسانية المدركة العاقلة وإن كان الحق غير خارج عنها، فعليك بالاجتهاد في تعيينه وإظهاره، هذا ما عندي ولعل عند غيري غيره" [1] .
وفي مسألة وحدة الكلام عند الأشعري يقول:"والحق أن ما ذكروه من الإشكال على القول بوحدة الكلام فمشكل وعسى أن يكون عند غيري حلة" [2] .
والخونجي صاحب أسرار المنطق الذي أسماه"كشف الأسرار عن غوامض الأفكار"قال عندما حضره الموت:"أموات ولم أعرف شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الممتنع، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت ولم أعرف شيئا"حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت.
وأبو حامد الغزالي كان ينتهي في معظم المسائل إلى الوقف، ويحيل في آخر أمره على طريقة الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل بصحيح البخاري.
وكان في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة معينة بل هو كما قال"تناظرهم - يعني مع كلام الأشعري - تارة بكلام المعتزلة وتارة بكلام الكرامية وتارة بطريق الواقفة"وهذه الطريق هي الغالب عليه في منتهى كلامه.
وحكى عن طائفة من رؤوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة، وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين، حتى لا يعرف الحق من الباطل، ومعلوم أن هذا إنما قالوه فيما سلكوه من الأدلة. وحكي أن بعض الأذكياء وكان قد قرأ على شخص هو إمام بلده ومن أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو ابن واصل الحموي أنه قال:"أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء"ولهذا انتهى أمره إلى كثرة النظر في الهيئة لكونه تبين له فيه من العلم ما لم تبين له في العلوم الإلهية [3] .
يرى الحبشي أن أخذ الآيات على ظاهرها يسبب التعارض، لأنه بزعمه لا يستطيع أحد الجمع بين (أأمنتم من في السماء) وبين (وهو معكم أينما كنتم) فلا يقول إن الله في
(1) أبكار الأفكار 2/ 211
(2) أبكار الأفكار 1/ 298
(3) انظر درء تعارض العقل والنقل 1/ 159 - 165