(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) [الإنسان 2] . فلا يلزم من وصف الله لنفسه بالسميع والبصير، ووصف الإنسان بالسميع والبصير أن تستوي الصفتان بنفس الدرجة، لأن بصر الإنسان وسمعه ليس كبصر الله وسمعه، لأن الله تعالى: (ليس كمثله شيء) ، وليس يلزم من تواطؤ اللفظ تواطؤ المعنى، لذلك فإن نفي النظير عن الله في صفاته يكون في حقائقها لا في مسماها.
ولولا الاشتراك اللفظي في الصفات لما استطاع المؤمن أن يفهم الصفات الإلهية التي وردت في الكتاب والسنة، فليس ثمة مماثلة بين ذات الله وبين الذات المخلوقة، ولا بين وجود الله ووجود المخلوقات، ولا يقتضي إثبات ذات الله ووجوده تلك المماثلة، وكذلك فإن إثبات صفاته لا تقتضي مماثلتها بصفات خلقه.
وهذا التقسيم الذي قسمه بعيد عن طريقة السلف في تفسير التوحيد، خصوصا تقسمه الصمد بأنه: الذي لا ينقسم، فليس يوجد هذا في تفسير ابن عباس ولا في تفسير أحد من الصحابة أو التابعين الذين عنوا بالتفسير، ولكن يوجد أمثاله عند الفارابي وابن سينا وافلوطين وغيرهم من الفلاسفة.
ولم تتطرق هذه الأقسام إلى بيان توحيد الألوهية وهو الحد بين الشرك والإيمان وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، فكلهم كانوا يدعون الناس إلى إفراد الله بالعبادة، ويقول كل منهم: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ، فأين التوحيد في أقسام الحبشي التي نقلها عن الفلاسفة الدهريين.
ومن مذهب الحبشي ومن اتبعه التعطيل الخالص والتجهم المحض في صفات الله تعالى، فالصفات عنده ثلاث عشرة صفة، منها صفات لم تثبت في كتاب ولا في سنة كالقيام بنفسه ومخالفة الحوادث، وإنما أخذت عن أصل يوناني كما أوضحنا سابقا نقلها عنهم فلاسفة الإسلام الذين تأثروا بهم.
وعندهم"أن من يثبت الصفات لله تعالى من غير تأويل فهو أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان" [1] .
وجاء في مجلتهم [2] ، في تفسير قول الله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه) [الزمر 67] ، قالوا: بيمينه: أي: بقدرته ... واليك رد علماء الأمة عليهم هذا القول فقالوا: إنه يؤدي أن تكون لله قدرتان، فإنه قال: (لما خلقت بيدي) [ص 75] ، وقال: (بل يداه مبسوطتان) [المائدة:64] ، وكذلك لا يجوز أن يقال: إن الله خلق آدم بنعمتين، والله تعالى لا يخلق الخلق بمخلوق.
(1) 180 منار الهدى 12/ 26