أما الأول وهو نفي الكثرة المصححة للقسمة عن ذات الله فمصدره يوناني وعبارة افلوطين هي:"والكثرة لا توجد فيه بأي اعتبار، كما أن التركيب لا يتطرق إليه بأي وجه من الوجوه، وهو لهذا بسيط كل البساطة، كما هو واحد في الذات وحدة مطلقة" [1] .
وعن هذا أخذ فلاسفة الإسلام ومتكلموهم، ومنهم الفارابي الذي قال:"واجب الوجود، ولا ينقسم بأجزاء القوام مقداريا كان أو معنويا، وإلا لكان كل جزء من أجزائه إما واجب الوجود فيتكثر واجب الوجود" [2] . وقال ابن سينا:"واجب الوجود لا ينقسم في المعنى ولا في الكم".الإشارات 109
ومقصود الحبشي أن يجعل ذات الله مجردة من كل صفة تجعل له حقيقة، وهذا هو أساس التجهم والاعتزال المبني على إنكار صفات الله عز وجل، دعامتهم في ذلك ما قاله أفلوطين وهو أن وصف الله بشيء يؤدي إلى التكثر في ذاته مما ينافي وحدته، وهذا من أشنع الإلحاد والضلال، فإن تجريد الله عن صفاته سبيل إلى نفيه وكان هدفي أن أبين أن الحبشي هذا ينقل أفكار افلوطين حرفيا وكأنها مسلمات.
ولا عجب من تناقض هؤلاء الكفرة، فإن أفلوطين مع حرصه على أن لا يصف الله بصفة تقتضي الكثرة المصححة للقسمة، فإنه قد وصف الله تعالى بأنه خيَّر محض، فتناقض مع قوله:"فإننا لا نصفه بأنه جوهر ولا عرض، لأن الجوهرية والعرضية من الأمور النسبية، فوصفه بأنه جوهر يستلزم تصور الذهن لعرض معه إذا ما تصوره جوهرا، لأن الذهن لا يقف عندئذ على تصور أنه جوهر فقط، بل يندفع لتصور مقابله معه وهو العرض، وذلك من غير شك يقتضي تكثرا في مرتبته" [3] .
وقد فسر الحبشي معنى الواحد: الذي لا صفة له ولا قسيم له في ذاته، ولا جزء له، هو قوله تعالى: الأحد والصمد.
وقد ثبت وصف الأحد على غير الخالق في التنزيل، وهو قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) [التوبة 6] ، وقوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) [المدثر 11] ، وقوله: (ولا يشرك بعباده ربه أحدا) [الكهف 110] .
ومن قال: إن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمى أحدا، فقد كذب وغلط وخالف لغة العرب، فلقد رأيت من الآيات أن لفظ الأحد أطلق على المخلوقات متصفون بصفات كثيرة تؤدي إلى الكثرة، وهم مع ذلك لا ينفكون عن العرض والجوهر والحوادث.
وأما الثاني من أقسام التوحيد عنده فهو نفي النظير عن الله في ذاته وفي صفاته. ومراده من هذا نفي صفات الله، فإذا قرأ في كتاب الله تعالى: (إن الله كان سميعا بصيرا) وقرأ قوله:
(1) 177 الجانب الإلهي لمحمد البهي 108
(2) 178 فصوص الحكم
(3) 179 الجانب الإلهي 109