وقال ابن البزازي:"ولما اتجه إلى الفقه والحديث بقلبه وبعقله وبكله كان على بينة من الأمر ويصر بالحقائق، ومع أنه أبتدأ حياته متكلما كان ينهى أصحابه وبنيه عن أن يجادلوا فيه ورأى في كبره ابنه حمادا يناظر في الكلام فنهاه" [1] .
وقال:"لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام" [2] .
وقال:"الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة". وقال رجل لأبي حنيفة:"ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام، فقال: مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثه فإنها بدعة" [3] .
فهذه أقوال أبي حنيفة تدحض ما ادعي هذا الأفاك الحبشي، ونزيده قول صاحبه أبي يوسف:"من طلب الدين بالكلام تزندق".
ذم الله تعالى الجدل في آيات عديدة، فمنها قوله: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) [غافر 35] ، وقوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) [الحج 3] ، وقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) [الأنعام 121] ، وقوله: (ما ضربوه لك إلا جدلا) [الزخرف 58] .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحابه وهم يقولون: ألم يقل الله كذا وكذا؟ يرد بعضهم على بعض، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال:"أبهذا أمرتم، أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم" [4] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) " [5] .
وعن عائشة قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
(1) مناقب أبي حنيفة 1/ 111
(2) صون المنطق 60
(3) نفس المصدر 32 وذم الكلام للهروي
(4) رواه الترمذي وابن ماجة والبخاري في خلق أفعال العباد
(5) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم