وهكذا فإن الله تعالى قد وصف نفسه بأنه في السماء، وأقر ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وأثبته بإقراره الجارية على قولها وشهادته لها بالإيمان.
وامتناع الحبشي وأتباعه عن القول بأن الله في السماء سببه أنهم يأتون بما يقاس على المخلوقين ويلزمون الناس باستعماله في حق الله تعالى وهذا هو التشبيه والتجسيم بعينه، فالله تعالى لا يقاس بالخلق، وهذا أحد أبواب التشبيه وهو (ليس كمثله شيء) ، فإذا رأوا أن كونه في السماء يجعله في حيز، كما يوجد المرء في حجرة من حجر داره، فوقعوا فيما أنكروه من التشبيه الباطل، ثم عطلوا الثابت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن لم يقر بأن الله في السماء فقد أعظم على الله القول إذ يقول: (أأمنتم من في السماء) ، وكذب نبيه صلى الله عليه وسلم الذي سأل الجارية"أين الله؟"فقالت: في السماء.
قال الحبشي:"من أنكر صحبة أبي بكر بالقلب، أي اعتقد أن أبا بكر ليس صاحبا لرسول الله فقد كفر، أما من أنكر صحبة عمر أو صحبة علي فلا يكفر، وذلك لأن الله ما نص في القرآن على صحبة عمر أو علي أو عثمان، أما أبو بكر فقد نص الله على صحبته في القرآن، فقال تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) ، فقد أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب هنا هو أبو بكر، فمن شك في ذلك وفسر هذا الصاحب بغيره من الصحابة فقد كفر، لأن ذلك يتضمن تخوين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتضليلهم، وفي ذلك هدم للدين، والقرآن أثنى عليهم، وذلك بقوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) " [1] .
فهو يقول: القرآن أثنى عليهم، ثم يزعم أن من أنكر صحبتهم فلا جناح عليه، والواقع أن مذهبه في الصحابة كمذهبه في صفات الله عز وجل: النفي والتعطيل، فإن هذا الذي أورده مقدمة لنكران الصحابة أصلا، فالرافضة تعتقد كفر الصحابة إلا ثلاثة أو أربعة منهم، وهذا الحبشي يجحد الصحابة كلهم إلا واحدا.
وقد يقول معترض: كيف تُقَوِّلُه ما لم يقل؟ والجواب: إن هذه الفتوى تحمل في طياتها إنكار الصحابة، فهو لا يستطيع القول: لا وجود للصحابة، ولكن بمثل هذه الفتوى يدخل في روع أتباعه أن إنكارهم لا يترتب عليه شيء ولا يدخل من أنكرهم في الكفر. وهو لا يفاجأ الناس بفتاواه، ولكن يتدرج بهم، فبينا نراه يزعم أن الصحابة لا يستطيعون استخراج الأحكام من القرآن والسنة، إذا بنا نراه لا ينكر على من أنكر وجودهم!!
(1) 251 بغية الطالب للحبشي32، 47