وكذلك فعل ابن كثير وقال:"وهذا يؤيد قولنا بأن بين هاتين الآيتين تشابها كبيرا، يبطل تأويل الآية الأولى على أن الذي يخسف ويرسل حاصبا هو جبريل أو الملائكة" [1] .
أما القرطبي فقال:"قال ابن عباس: (أأمنتم من في السماء) : أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه" [2] .
وقال المراغي:" (أأمنتم من في السماء) أي: أمنتم أن يخسف ربكم بكم الأرض كما خسفها بقارون" [3] .
ولم يقل الله في كتابه: (أأمنتم) ونحوها إلا إذا كان المعني بذلك هو الله، وليس غيره، كقوله: (أفأمنوا مكر الله) [الأعراف 99] ، وقوله: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) [يوسف 107] ، وقوله: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض) [النحل45] ، وقوله: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض) [النحل45] .
وقوله تعالى: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) مقرون بقوله: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا) كما بين ذلك ابن قتيبة وغيره، ومن زعم أن الآية تعني جبريل فيلزمه جعل الآية التي قبلها: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) هل تعني جبريل أيضا، وهذا من أفظع الشرك.
وقوله تعالى: (أن يرسل عليكم حاصبا) لا يجوز في حالة من الأحوال أن يكون جبريل هو المرسل، والله تعالى وحده الذي يرسل، وانما جبريل مرسل (بفتح السين) .
ويقول الله تعالى في كتابه ذاكرا صفات المؤمنين: (ولا يخشون أحدا إلا الله) [الأحزاب 39] كيف يقول ذلك ثم يقول لهم: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) ويعني بذلك الملائكة أو جبريل، أفيمدح الله الذين لا يخشون إلا الله ويخوفهم بجبريل وبالملائكة؟!.
ومن الأدلة على أن الله تعالى في السماء حديث الجارية الذي رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جارية ترعى غنما قبل أُحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صللتها صلة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا اعتقها؟ قال:"ائتني بها"فأتيته بها، فقال لها:"أين الله؟ قالت: في السماء قال:"من أنا؟"قالت: أنت رسول الله، قال:"أعتقها فإنها مؤمنة" [4] ."
(1) 247 تفسير ابن كثير 4/ 398
(2) 248 تفسير القرطبي 17 - 18/ 215 - 216
(3) 249 تفسير المراغي المجلد الرابع جزء 29
(4) 250 رواه مسلم 537