قال البيهقي:"قال الله عز وجل: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) بتشديد الياء من الإضافة، وذلك تحقيق في التثنية، وفي ذلك منع من حملها على النعمة والقدرة، لأنه ليس بتخصيص لتثنية ولا في قدرته معنى يصح، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى" [1] والحمد والمنة لله رب العالمين.
وروى ابن عساكر عن ابي الحسن الأشعري قوله عن المعتزلة:"وأنكروا أن يكون لله يدان" [2] مع قوله: (لما خلقت بيدي) .
وقد قرر الحبشي وجوب تأويل صفات الله تعالى، وأنها ذكرت في الكتاب والسنة على سبيل المجاز، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازا يصح نفيها على الإطلاق، لكان يجوز أن الله ليس بحي ولا عليم ولا قدير ولا سميع ولا بصير ولا استوى على العرش ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات، بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات. وقد قال أبو عمر بن عبد البر:"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدثون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود لا مثبتون والحق فيما قاله القائلون بما نطق به الكتاب والسنة وهم أئمة الجماعة"."
ثم قال شيخ الإسلام:"وهذا الذي حكاه ابن عبد البر عن المعتزلة ونحوهم، هو في بعض ما ينفونه من الصفات، أما فيما يثبتونه من الأسماء والصفات كالحي والعليم والقدير والمتكلم، فهم يقولون: إن ذلك حقيقة، ومن أنكر أن يكون شيء من هذه الأسماء والصفات حقيقة إنما أنكره لجهله مسمى الحقيقة أو لكفره وتعطيله لما يستحقه رب العالمين، وذلك أنه يظن أن إطلاق ذلك يقتضي أن يكون المخلوق مماثلا للخالق، فيقال له: هذا باطل، فإن الله موجود حقيقة، والعبد موجود حقيقة، وليس هذا مثل هذا، والله تعالى له ذات حقيقة، والعبد له ذات حقيقة، وليس ذاته كذوات المخلوقات، وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة، وللعبد علم وسمع وبصر حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم الله وسمعه وبصره، ولله كلام حقيقة، وللعبد كلام حقيقة وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين". وقال ايضا:"ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين" [3] .
(1) 182 الاعتقاد 29
(2) 183 تبين كذب المفتري 157
(3) 184 الاسماء والصفات لابن تيمية 2/ 150 - 151