وأضاعوا أعمارهم في الكلام والجدل، ولم ينتبهوا إلى العوض أو البدل، وحاروا واضطربوا وجاروا ولم يقتربوا.
قال الشهرستاني:"قد أشار إلي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له من مشكلات الأصول، وأحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول، لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استحسن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، لعمري:"
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلم المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم [1]
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد في بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: (الرحمن على العرش استوى) [طه 5] ، (إليه يصعد الكلم الطيب. العمل الصالح يرفعه) [فاطر 10] ، واقرأ في النفي (ليس كمثله شيء [الشورى 11] ،(ولا يحيطون به علما) [طه 110] ، (هل تعلم له سميا) [مريم 65] ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وكان ابن أبي الحديد البغدادي المعتزلي الرافضي يقول:
فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر
فلحا الله الألى زعموا ... أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر
هذا مع إنشاده:
وحقك لو أدخلتني النار قلت ... للذي أراه بها قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في علوم كثيرة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتم من كان فينا مجاهدا ... سيكرم مثواه ويعذب شربه
أما رد شك ابن الخطيب وزيفه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه
وآية حب الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوي عليه يصبه
وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه ردا على أبي حامد في كتابه المسمى"تهافت الفلاسفة"فسماه"تهافت التهافت":"ومن الذي قال في الإلهيات ما يعتد به".
(1) نهاية الاقدام للشهرستاني 3