دل على ذلك النقل والعقل:
فمن النقل: قوله - تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] ، وقوله - تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
وأما العقل: فإن الله - تعالى - خلقنا ورزقنا، وأرسل إلينا الرسل، وأنزل علينا الكتب، وأمَرَنا بطاعته، ونهانا عن معصيته، فلو لم يكن هناك حسابٌ ولا عقاب ولا ثواب، لكان هذا من العبث الذي يُنزَّه الله - تعالى - عنه، ولكن شرع الله هذه الأمور لمعادٍ يجازي كل إنسان بما كسب، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وفي هذا دلالة على أنه - سبحانه - لم يتركنا هملًا.
قوله - رحمه الله - (بل أرسل إلينا رسولًا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار)
وهذا تقرير لما سبق بأنه - جل وعلا - لم يتركنا هملًا؛ بل أرسل إلينا رسولًا، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - (فمن أطاعه دخل الجنة) ، وهذا مقتضى الحكمة، ولهذا أدلة كثيرة، منها:
-قوله - تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .
-وقوله - تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ، وحديث أبي هريرة عند البخاري قال رسول الله: (( كل أمتي يدخلون الجنة، إلا من أبى ) )، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟! قال: (( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ) ).
(ومن عصاه دخل النار) ، وهذا مقتضى الحكمة أيضًا، وله أدلة كثيرة، منها:
-قوله - تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] .
-وقوله - تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وأيضًا حديث أبي هريرة المتقدم، وفيه: (( ومن عصاني فقد أبى ) ).
ثم استدل المؤلف على إرسال الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - والنتيجة فيمن أطاعه وعصاه، بقوله - تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 15، 16] .
وفي هذه الآية عِظة وعِبرة بأن الله - تعالى - أرسل إلينا رسولًا، كما أرسل إلى فرعون رسولًا، لكن فرعون لم يطع الرسول؛ بل عصاه، فكان أمره إلى وبال؛ أي: أخذه الله أخذًا شديدًا، وفي آية أخرى قال الله - تعالى - عنه وعن قومه: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] ، وهكذا من عصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسنةُ الله واحدة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.