قد يُشْكل أمر الزكاة، فقد قال الله - تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] ، والمراد بالزكاة في هذه الآية على قول أكثر العلماء، كما ذكر ابنُ كثير هي زكاة الأموال، والآية لا شكَّ أن نزولها في مكة، وهذا يدُلُّ على أن الزكاة كانت قبل الهجرة، والجواب على هذا أنْ يقالَ: الزكاة التي فرضت في مكة لم تكن مقدَّرة بأنصبة معينة، وكان تحديد أنصبتها بالمدينة، كما دلَّ على ذلك الآياتُ المدنية، كقوله - تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
فأصلُ الزكاة كان في مكة من دون مقادير، أمَّا بيانُ المقادير والأنصبة، كان في المدينة بعد ذلك.
وأمَّا الصومُ فقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأمَّا الحجُّ ففيه خلاف، قيل: سنة ست، وقيل: سنة عشر، وقيل: سنة تسع، وهي أرجح الأقوال؛"انظر: زاد المعاد، 2/ 101".
والجهادُ كذلك فرض بعد الهجرة، وأمَّا قبلها، فلم يأذن الله - تعالى - للمسلمين أنْ يجاهدوا؛ لأنَّهم ضعفاء ليس لهم شوكة وقوة، والآذان كذلك فرض في المدينة في السنة الأولى من الهجرة على القول الراجح، ووردت أحاديثُ تدل على أن الأذان فرض قبل الهجرة، لكنَّها أحاديث معلولة؛"انظر: زاد المعاد، 3/ 69، وانظر: فتح الباري، 2/ 78، 79".
الوجه الثامن: وفاته - صلَّى الله عليه وسلَّم:
مكث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد هجرته في المدينة عشر سنين، وإذا أضفنا هذه العشر السنين للثلاث والخمسين سنة في مكة كانت ثلاثًا وستين، وهو عمر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم توفي بعدها بعد عمر حافل بتأسيس العقيدة، وقمع الشرك وأهله، ونشر التوحيد، وشرائع الدين وتطبيقها، لا خير إلاَّ دل الأمة عليه، ولا شر إلاَّ حذَّرها منه، دلَّ على ذلك ما جاء في"صحيح مسلم"من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنه لم يكُن نَبِيٌّ قَبْلِي إلا كان حَقًّا عليه أن يَدُلَّ أُمَّتَهُ على خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ ) )، وفسَّر المؤلفُ هذا الخير، وهذا الشر بكلام وافٍ، فقال:"والخير الذي دَلَّ عليه التوحيدُ، وجميع ما يُحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه الشركُ وجميعُ ما يكرهه الله ويأباه".
-توفي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودينه باقٍ إلى قيام الساعة، توفي يومَ الاثنين على المشهور من أقوال أهل العلم في الثاني عشر من ربيع الأول؛ قال ابن كثير:"لا خلافَ أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - توفي يومَ الاثنين، والمشهور أنَّه في الثاني عشر من ربيع الأول"؛"انظر: السيرة النبوية، لابن كثير، 4/ 505".
الوجه التاسع: وجوب طاعته - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الجن والإنس:
حيث بعثه الله - تعالى - إلى الناس كافَّة، وهذا فيه بيان أن دينه باقٍ وشامل لجميع الناس العرب والعجم، فليس لليهودي أن يقول: أنا أتَّبع موسى - عليه السَّلام - وليس للنصراني أن يقول: أنا أتَّبع عيسى - عليه السَّلام - في هذا الزمن؛ لأنه مأمور باتباع محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - جاء في"صحيح مسلم"من حديث أبي هريرة عن رَسُولِ