2 -أن يكون غير مستطيع على إظهار دينه، قد يكون الإنسانُ يستطيع الهجرة، ولكنه في الوقت نفسه يقول: أستطيع أن أُظهر ديني، أصلي في المساجد، وآتي بجميع شرائع الدين، ولا يكون هناك شيءٌ يعيقني عن تطبيق الدين، فالهجرةُ غير واجبة حينئذٍ،، فينتقل من الوجوب إلى الاستحباب، سواء كانت البلاد بلاد إشراك أم فسق، لكن إذا قال: أنا أستطيعُ الهجرة وفي الوقت نفسه لا أستطيع أنْ أظهر ديني، فحينئذ نقول: لا زالَ الأمر عليك واجبًا من حيث الهجرة، وموطن الاستدلال على هذا الشرط من الآيات السابقة هو قوله: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} [النساء: 97] ، ومستضعفين؛ يعني: أذلاء لا يستطيعون أن يقيموا شعائر الدين.
عرفنا مما سبق أن الهجرة لا تجب إلا بشرطين: القُدرة على الهجرة، وعدم التمكن من إظهار شعائر الدين، حينئذ تكون الهجرة واجبة، أمَّا إذا اختل شرط من هذين الشرطين، فإنَّها تنتقل إلى الاستحباب.
قال ابن كثير:"نزلت هذه الآية الكريمة عامَّة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية"؛"انظر: تفسير الآية في تفسير ابن كثير، سورة النساء، آية 97".
ومن خلال ما سبق نستطيع تصنيف الناس في الهجرة من بلاد الإشراك إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: من تَجب عليه الهجرة، وهو من توفر فيه الشرطان السابقان: القدرة على الهجرة، وعدم التمكن من إظهار شعائر الدين.
الصنف الثاني: من لا هجره عليه، وهو العاجز عن الهجرة، والعاجز عن الهجرة عدة أصناف، إمَّا لمرض فلا يستطيع، أو ليس عنده مال يذهب به، أو مُكرهٌ على الإقامة في بلاد الشرك، فحينئذ لا تَجب عليه الهجرة؛ لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - قال: {إِلَّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 97] .
الصنف الثالث: من تستحب له الهجرة: وهو مَن يقدر على الهجرة، لكنه مُتمكن من إظهار دينه، كما تقدم بيانه.
إذًا عرفنا أنَّ الهجرة إمَّا أن تكون واجبة أو مُستحبة، وقد يكون عدم الهجرة مستحبًّا في حق أشخاص مُعينين، كأن يَحتاج المسلمون عينًا لهم هناك؛ يعني: يَحتاجون مَن يتفقد أحوالَ المشركين، ويُخبرهم ويعطيهم أخبار المشركين أولًا بأول، وخططهم ومكائدهم، فحينئذ يكون الأمر مستحبًّا أمَّا إذا كان أمر البقاء لا ينطبقُ إلا عليه، وكان الأمر حتمًا للمسلمين، فحينئذ يكون البقاءُ واجبًا على حسب وجوب أو احتياج المسلمين؛"انظر: المغني، لابن قدامة، 10/ 515، والفتح، لابن حجر، 6/ 190".
لو أنَّ شخصًا تحققت فيه شروطُ وجوب الهجرة ولم يهاجر، فلا شكَّ أنه يعد عاصيًا ظالمًا لنفسه، كما ذكر الله - تعالى - ولكنه لا يَخرج من دائرة الإسلام بتركه للهجرة، وهذا ما أراد بيانه المؤلف حينما جاء بقول البغوي، قال المؤلف:""