وتقدم شرح غالب هذا الحديث في مراتب الدين، وبقي الكلام على ذكر الساعة في الحديث.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: أن الخلق كلهم سواء في علم الساعة، فكلهم لا يعلمون متى تقوم؛ لأنها مما استأثر الله بعلمه، ولهذا في حديث ابن عمر ? أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال"مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله"، ثم قرأ {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34) .
ثم بيَّن علامات الساعة التي إذا خرجت دلت على قرب وقوعها ...
* والساعة لها علامات كثيرة كبرى وصغرى لكنه ذكر هنا علامتين:
الأولى: أن تلد الأمة ربتها والمراد بهذه العلامة:
1/ قيل: هو إخبار عن كثرة الفتوح وكثرة السراري آخر الزمان، فيكون ولدها من سيدها بمنزلة سيدها.
2/ وقيل: هو إشارة إلى كثرة العقوق آخر الزمان فيتعامل الابن والبنت مع أمه معاملة السيد لرقيقه. واختاره ابن حجر، وقيل غيره ص 86 جامع العلوم والحكم، 114/ 1 فتح الباري، ص 150 حصول المأمول.
الثانية: أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
والمراد بهذا: أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفتها وإتقانها، وهذا إشارة إلى اختلال الموازين وإقبال البادية على الحاضرة ومبالغتهم في البنيان وتعاليهم في الدنيا، كما روى الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع"، وروى الإمام أحمد عن أنس ? أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"بين يدي الساعة سنوات خداعة، يُخَوَّن فيها الأمين ويؤتمن الخائن، ويُصَدَّق الكاذب ويُكَّذب الصادق، وينطق فيها الرويبضة"قالوا: وما الرويبضة؟ قال"السفيه في أمر العامة".
وقد شاهدنا هذا كله في زماننا، وكله دليل على اختلال الموازين آخر الزمان، وانفراط أمر الدنيا والدين، ولو ألقيت نظرة إلى حال أهل زماننا لرأيت شيئًا كثيرًا من هذا قد وقع والله المستعان.