-فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية الدالة على كفر من حكم بغير ما أنزل الله، وبين قوله - تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، وقوله - تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ؟
أهل العلم على قولين في ذلك:
منهم من قال: إنَّ كل من حكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر فاسق ظالم، فتنطبق عليه الآيات الثلاث.
ومنهم من قال بالتفريق في الوصف بحسب الحال الذي حكم فيها بغير ما أنزل الله، قالوا:
إنَّ حكم بغير ما أنزل الله مُعتقدًا أنَّ حكمه أصلح وأنفع، أو اعتقد أنَّه مثل حكم الله - تعالى - فهذا لا شكَّ في كفره، فهو كافر كفرًا أكبر مُخرجًا من الملة.
أمَّا إذا لم يَحكم بما أنزل الله، ولم يستخف به، ولم يعتقد أنَّ غير حكم الله أحسن، فهذا يكون ظالمًا.
أمَّا إذا حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعتقد أن حكم الله أنفع وأصلح، وأن غيره لا خير فيه، ولكنَّه حكم من أجل مجاراةٍ للمحكوم له، أو من أجل رشوة أو نحو ذلك، فهذا يكون فاسقًا، فالأوصاف الثلاثة الكفر والظُّلم والفسق تتنزل تبعًا لحال الحامل لهذا الحكم؛"للاستزادة انظر: رسالة: تحكيم القوانين، للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ومدارج السالكين، 2/ 266"
وهذا هو الذي ختم به المؤلف وبعده حديث فقط، قال: والدَّليل قوله - تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] ، لا إكراهَ في الدين؛ أي: إنَّه لا يُكره أحد للدخول في دين الإسلام، والرُّشد هو: الهدى الموصل إلى سعادة الدارين، والغي ضده: الظلام المفضي إلى البُعد وإلى الشقاء وإلى الخسران، والعروة الوثقى هي"لا إله إلا الله"كلمة التوحيد، التي لا انقطاعَ لها، وهذا لمن آمن بالله - تعالى - وكفر بالطاغوت، فقد استمسك بالعقد المحكم البيِّن الذي يريده الله جل وعلا.
مسألة: كيف نجمع بين أنَّه لا يُكره أحد في الدُّخول في دين الإسلام، وبين قتال المشركين؟ أليسَ هذا فيه نوعٌ من الإكراه قد يأتينا أحد بهذه الشبهة، فيقول: أنتم تأمرون بالجهاد، وتقاتلون المشركين، وهذا فيه إكراه ومعارض لقوله - تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ؟
والجواب: إنَّه وقع خلاف بين أهل العلم في الجمع بين الحالين: