بأن يكون الحامل على الدعوة ابتغاء وجه الله ورضاه، والإشفاق على المدعو والإحسان إليه، لا إظهارًا لجهل المدعو، ولا تمييزًا لحال الداعي وإظهار ما عنده من العِلم، والترفُّع على الخلق، ولا لأي غرض من أغراض الدنيا.
قال - تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
وكثيرًا ما يقع الخطأ في هذه الأمر، والعلم سلاح للدعوة لا تصلح بدونه، فلا بد للداعي أن يكون عالمًا بما يدعو.
وقال المؤلف في"مسائل التوحيد"عن الآية السابقة:"أما قوله: {إِلَى اللَّهِ} ، فتنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا من الناس وإن دعا في الظاهر إلى الله، فهو في الحقيقة يدعو إلى نفسه".
وهذا ما سيأتي بيانه في المسألة الرابعة؛ ولأن الداعية سيواجه أصنافًا من المدعوين يختلفون في تقبُّلهم وردود أفعالهم.
4 -أن يكون على بصيرة بحال المدعو:
لأن المدعوين تختلف أحوالُهم، فيخاطبهم بما يناسب حالهم، وحينما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن، قال له: (( إنك تأتي قومًا أهل كتاب ) )، فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - حالَهم، وأنهم أهل كتاب عندهم علم؛ ليكون على بيِّنة، فيستعد لهم.
على حسب حال المدعوين، والبيئة التي يعيشون فيها؛ فمسائل العقيدة وأصول الدين تأتي في المقام الأول، وحينما بعث النبي معاذًا إلى اليمن، قال له: (( فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) ).متفق عليه
وهذا هو منهج الأنبياء - عليهم السلام - في دعوتهم؛ قال - تعالى - عن نبيِّه - صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
وقال لموسى وهارون - عليهما السلام - حينما بعثهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] .
قال ابن كثير:"إن هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى - عليه السلام - صفوة الله من خلقِه إذ ذاك، ومع هذا، أمر ألاَّ يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين".
وقال - تعالى - مبينًا هذا المنهج: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، وفي السُّنة أخبار كثيرة تدل على هذا المنهج مِن فعلِه - صلى الله عليه وسلم - وقولِه.