فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 100

قال البغوي - رحمه الله تعالى:"سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان"،"وهذا هو المحكي عن جماعة من السَّلف - رحمهم الله."

وبعدما ذَكَر المؤلف الدَّليلَ من الكتاب على الهجرة، جاء بما يدُلُّ على الهجرة من السنة فقال:"والدليل على الهجرة من السنة قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) )، والحديث رواه أحمد وأبو داود، وبهذا يكون دلَّ على الهجرة الكتابُ والسنة والإجماع".

مسألة: كيف نجمع بين هذا الحديث الذي أورده المؤلف في شأن الهجرة وبين قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لا هجرةَ بعد الفتح ) )، والحديث مُتفق عليه، ومعناها لا هجرة بعد فتح مكة، وقد فتحت مكة؟

والجواب: أنَّ المقصود بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم:"لا هجرةَ بعد الفتح"؛ أي: لا هجرةَ من مكة بعد فتحها، وذلك أنه بالفتح تحولت مكةَ من كونِها دار كفرٍ إلى دار إسلام، ولما صارت دار إسلام، انتهى وجوب الهجرة منها، أو استحباب الهجرة منها، وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، فهي مستمرة؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلعَ الشمس من مغربها ) )؛ رواه أحمد وأبو داود، وللعموم في قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] .

الوجه السابع: استقرارُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المدينة، واكتمال الشريعة.

بعدما دعا النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى التوحيد، هاجر إلى المدينة، واستقر بها، ثم أُمِر ببقية شرائع الدِّين، جاءت الزكاة وتحديد أنصبتها والصيام والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأذان وغيرها من شرائع الدِّين، أما الصلاةُ فتقدم أن مشروعيتها كان في مكة حينما عُرِج بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصلاة هي الوحيدة التي كانت في مكة، وأمَّا ما سواها من شرائع الإسلام إنَّما كان بالمدينة؛ لأنَّ الأهم هو الانشغال بأساس الأعمال وهي العقيدة، فهي التي دعا لها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - طيلة هذه السنوات، وبعدما استقرت، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وحققوا التوحيدَ جاءت بقية شرائع الدِّين، وهذا يُبين لنا أن أمر العقيدة وشأنها شأن عظيم، فالصَّلاة كانت قبل الهجرة، وأمَّا البقية فهي بعد الهجر، وليس معنى هذا أن دعوة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - للتوحيد توقَّفت عند هذا، بل ظل - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو إلى التوحيد حتى توفاه الله - تعالى - لكنه في أول رسالته كان شأنه الأكبر والأول هو تحقيق التوحيد ونبذ الشرك، حتى حقَّق الله - تعالى - له ذلك، ثم هاجر إلى المدينة.

مسألة: كيف يُجمع بين أنَّ الزكاة فرضت في المدينة بعد ما استقر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها، وبين هذه الآية التي نزولها كان في مكة، وهي قوله - تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت