فالأولى طهارة المعنوية والثانية طهارة الحسية، وكلا التفسيرين مراد كما ذكر ابن كثير؛ حيث قال:"وقد تشمل الآية جميعَ ذلك مع طهارة القلب، فإن العربَ تطلق الثياب عليه"؛"انظر: تفسير هذا الآيات في تفسير ابن كثير، وانظر: فتح القدير، 5/ 324، وانظر: فتح الباري، 8/ 679".
ثم قال: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، {المدَّثر} ، والمقصود بالرجز الأصنام وهي الأوثان.
ثم بعد ذلك قال: {وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} ، ولهذه الآية أيضًا تفسيران:
التفسير الأول: أي لا تَمنن على ربِّك بما تبذله من الدَّعوة إلى التوحيد بأنك قد تعبت في هذا المقام، وهذا المجال العظيم، وهو الدعوة إلى التوحيد.
والتفسير الثاني: معناه لا تعطِ العطية، وتلتمس أكثر منها؛ لأنَّ من الناس مَن ربَّما يعطي عطية، وهو يلتمس أكثر من هذه العطية، وهذا فيها منة، ليست قولية، وإنَّما منة فعلية؛"انظر: المرجعين السابقين: تفسير ابن كثير، وفتح القدير".
ثم قال: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ، أخبره الله - عزَّ وجلَّ - أن هذا الطريق يحتاج إلى صبر، وأنه لا بُدَّ أن يواجه مخالفة في ذلك؛ لأنه بهذا يخالف أهواء الناس.
يقول المؤلف - رحمه الله:"أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرِجَ به إلى السماء وفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمر بالهجرة إلى المدينة"، إذا أضفنا هذه العشر السنين إلى الأربعين صارت خمسين، وقلنا: إنَّه مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، وليس في هذا تعارض مع قول المؤلف؛ لأنَّه قبل هذه العشر سنوات، مكث ثلاثَ سنين يدعو بخفاء، وهذه تسمى الدعوة الخفية - الدعوة في السر - قبل أن يؤمر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأن يدعوَ جهرًا، فمقصود المؤلف الدعوة الجهرية، كانت عشر سنين، وقيل: إنَّه دعا عشر سنين، ثم مكث ثلاث سنين في مكة يصلي، ثم هاجر إلى المدينة.
بعد هذه العشر سنين عُرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلواتُ الخمس، فالصلوات الخمس إنما فرضت في مكة.
والإسراء والمعراج لا شَكَّ أنهما أمران ثابتان، وهما لا يثبتان عن طريق العقل، ولذلك هذا الذي جعل قريشًا يكذبون النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا؛ لأنَّهم حكَّموا عقولهم، والصحيحُ أنَّهما ثابتان بالنص والإجماع، ثابتان بالكتاب والسنة؛ قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] ، وفي السنة كما في"صحيح البخاري"، وأيضًا هو ثابت بإجماع العلماء.
والإسراء لغة: هو السير بالشخص ليلًا.
وأما شرعًا: فهو سير جبريل - عليه السَّلام - بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من مكة إلى بيت المقدس بدابة يقالُ لها:"البُراق: وهي دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض"، فمن مكة إلى بيت المقدس يُسمى إسراءً، ومن بيت المقدس