قوله - رحمه الله - (الناس) يقصد به بنى آدم فإنه ذكر بنى آدم والجن داخلون في ذلك، أو أن يكون الناس بمعنى النوس والحركة فيقصد به كل متحرك من المكلفين وليس إلا الجن والإنس.
واستدل المصنف - رحمه الله - على ذلك بقوله - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، ومعنى يعبدون: يوحِّدون.
ففي هذه الآية دلالةٌ على أن الله خَلَقَ الخلقَ وأوجدهم؛ لأجل أن يأتوا بالملة الحنيفية، فيعبدوه ويخلصوا له العبادة، فأمر بذلك الجن والإنس.
والجن: عالم غيبي لا نراه؛ لأنه مخلوق من نار، بخلاف الإنس، فهم مخلوقون من طين؛ قال - تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14، 15] .
فعالم الجن عالم مخفي، واجتماع الجيم مع النون في لغة العرب يدلُّ على الستر، فلاستتارهم سُمُّوا جنًّا، وهم مكلَّفون بالعبادة والتوحيد، ومنهيُّون عن المعصية والشرك، يدل عليه ما استدل به المؤلف: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وفسَّر المؤلف (يعبدون) بـ
قوله - رحمه الله - (يوحدون) ، والتوحيد: هو إفراد الله بالعبادة - كما سيأتي.
وبالحنيفية أمر الله - تعالى - جميع الأمم؛ قال - تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
التوحيد في اللغة: مِن وحَّد يوحِّد توحيدًا؛ أي: جعله واحدًا لا ثاني له، وفي الشرع: عرَّفه المؤلف بقوله: إفراد الله بالعبادة.
وتعريف المؤلف هنا تعريفٌ لتوحيد الألوهية، ولم يأتِ بغيره من أنواع التوحيد؛ لأنه أراد بيان التوحيد الذي حصل فيه النزاعُ والجدال، وشُرع من أجله الجهاد، والذي بُعثتْ من أجله الرسلُ - عليهم السلام - وهو توحيد الألوهية.
وقوله:"إفراد الله بالعبادة"؛ أي: تفرده - جل وعلا - بكل شيء: أقوالنا، وأفعالنا، ومقاصدنا.
وأما تعريف التوحيد بمعناه العام، فهو إفراد الله - تعالى - بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
1 -توحيد الربوبية: هو أفراد الله بالخلق والتدبير؛ قال - تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] .
2 -وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله - تعالى - بالعبادة، وهو الذي ذكره المؤلف، وتقدَّم سبب إيراده؛ قال - تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62] .