فالمسألة الأولى ذكرها رحمه الله بقوله: (الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملًا) إلى آخر كلامه، وهذه المسألة هي مسألة توحيد الربوبية.
وتوحيد الربوبية هو إضافة كلمة توحيد إلى كلمة الربوبية، وكلمة الربوبية تعود إلى كلمة الرب، والرب له أكثر من معنى في لغة العرب، ومن هذه المعاني المربى , والسيد , والمالك , والمدبر.
أما توحيد الربوبية فمن أحسن تعاريفه أن يقال هو: توحيد الله عز وجل بأفعاله، ومن أفعال الله عز وجل التي يجب أن يُفرد بها: الخَلق والرَّزق والإحياء والإماتة، فهذه جملة من الأمثلة على ذلك.
فقوله - رحمه الله - (أن الله خلقنا)
والدليل على أن الله خلَقَنا النقلُ والعقل:، وإذا قيل: النقل، فالمقصود به الكتابُ والسنة،
فمن النقل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] ، {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3] ، وهذه الآية تدلُّ على اختصاص الخلق بالله - تعالى - والآيات في هذا الباب كثيرة.
وأما دلالة العقل: فيؤخذ من قوله - تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] .
ووجه الدلالة: أنه عقلًا لا يمكن أن يخلق الإنسانُ نفسَه؛ لأنه قبل وجوده عدم، ولا يمكن أن يأتي صدفة لهذا الكون؛ بل لكل حادث مُحْدِث، ولكل موجود خالق، والله - جل وعلا - خالق كل شيء، وهذا ما حصل مع جبير بن مطعم - رضي الله عنه - حينما قرأ هذه الآية ووعاها بقلبه وعقله، فقد كان مشركًا وسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 35 - 37] ، قال جبير:"كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي".رواه البخارى
قوله - رحمه الله - (ورزقَنَا) :
وأيضًا دلَّ على أن الله رزقنا النقلُ والعقل:
فمن النقل: من الكتاب قوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] ، وقوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] ، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة: حديث ابن مسعود المتفق عليه في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين: (( إن الله يبعث إليه مَلَكًا، فيؤمر بأربع كلمات: بكتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد ) ).
وأما العقل: فإن الإنسان لا يمكن أن يبقى في هذه الحياة إلا بطعام وشراب، والطعام والشراب خلقهما الله - تعالى - فهو خالق كل شيء - سبحانه.
قوله -رحمه الله - (ولم يتركنا هملًا)