فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 375

الخطأ الكبير: صراع في غير ميدانه:

لبى الملك الصالح طلب الأمير شيحة، وجهزه بجيش كبير بقيادة الأميرين علم الدين الكبير، وعلم الدين الصغير، والمدهش أن الملك الصالح الذي كان يواجه الإعصار الصليبي الذي يهدد مصر، والذي استولى على بعض مدنها الساحلية لبعض الوقت قد انغمس أيضًا في هذا الصراع الهامشي على السلطة والنفوذ، والمؤلم أن تتشتت الجهود الإسلامية في وقت كانت فيه كتائب الصليبيين تحاول استعادة ما انتزعه منها صلاح الدين وأخوه الملك العادل، وكانت زحوف التتار تهدد الأمصار الإسلامية في الشمال والشرق وتنذر بقرب توجهها نحو الشام والعراق، ومع ذلك كانت حمى الصراع على الإمارة تستنزف الجهود والأموال والدماء، ولعله من لطف الله أن يكون هذا النزيف مقتصرًا على الجهود والأموال غالبًا، وأن يكون الصراع استعراضًا للقوة ليس أكثر، فمن يجمع حشودًا ضخمة يدخل مكة، وينسحب أمامه خصمه، ليعد حشودًا أضخم ويأخذ مكانه بعد حين، وهذا ما حدث مرات عدة في ظل الأمير شيحة، فقد خرج بالجيش الجديد القادم من مصر، واصطحب الجيش الماكث في المدينة وتوجه إلى مكة في رجب عام 638 هـ وسبقت أخبار هذا الزحف المهول إلى مكة، وأحس راجح بن قتادة والجيش الرسولي أن خصمه يفوقه عدة وعتادا، فانسحب من مكة وأخلاها له فدخلها شيحة بجحافله منتصرًا، وعاد إلى كرسي الإمارة، ومكث في مكة إلى نهاية العام (1) واستمرت حركة الصراع المفرغة في دورانها، فما إن انتهى موسم الحج ذلك العام حتى وصلت الأخبار إلى الأمير شيحة بأن السلطان المنصور الرسولي جهز جيشًا كبيرًا يفوق جيشه عددًا وعدة، وسيره إلى مكة المكرمة بقيادة الشريف علي بن قتادة فقرر الأمير شيحة ألا يغادر مكة هذه المرة وأرسل على وجه السرعة رسولًا إلى الملك الصالح يطلب منه نجدة سريعة، فأرسل إليه الملك الصالح مائة وخمسين فارسًا بقيادة الأميرين مبارز الدين علي بن الحسن بن برطاس، ومجد

(1) إتحاف الورى 3/ 56 ـ 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت