وفي اليوم التالي طاف رجال الأمير على بيوت من حام الشك حولهم، فقبضوا عليهم، وضربوهم ضربًا شديدًا فأقروا بما لديهم، ودلوا على منهوبات أخرى مودعة عند أشخاص آخرين، وبدأت المنهوبات المودعة تظهر تباعًا، وكان بعضها مما ضرب دنانير وبعضها مما بقي على حاله، وقد أبلغ الخزندار الشريف فارس أن بعض الصاغة استطاعوا أن يهربوا شيئًا من المنهوبات، وكانوا قد ضربوا بعضها قطعًا صغيرة، فأخذت منهم وفرضت عليهم غرامات أخرى تؤخذ من ممتلكاتهم، وقرر الشريف فارس أن يخرج كل من يثبت تواطؤه في هذه الجريمة البشعة من المدينة، فأخرج الصاغة والمتسترون مع ذراريهم ومنعوا من أخذ شيء معهم إلا الزاد، وساروا في موكب ذليل، وصودرت جميع ممتلكاتهم ومنعوا من الذهاب إلى مكة أو ينبع، وفرض عليهم السير شرقًا باتجاه نجد، وقاسوا من الإهانة والمرارة شيئًا كثيرًا، فرقت لهم قلوب بعض أهل المدينة، وتشفعوا فيهم لدى الشريف فارس ورجوه السماح لهم بالعودة إلى المدينة ورد ممتلكاتهم والاكتفاء بما لقوه من إهانة، فقبل الشريف شفاعتهم وسمح لهم بالعودة إلى المدينة، وقد بلغ مجموع مااسترد من المنهوبات أكثر من عشرة ألاف دينار فضلًا عن القناديل التي لم تصهر، ولكن لم تسترد جميع المنهوبات فقد فرَّ حسن بن زبيري بما حمله، وربما دفن بعضه في الرمال، وظل حسن بن زبيري طريدًا لايجرؤ على الاقتراب من المدينة مدة طويلة، وتخلى عنه جميع أصحابه، ولم يؤوه إلا عربان آل نعير.
وطوت المدينة صفحة قاتمة في تاريخها، وبدأت صفحة مشرقة في ظل إدارة الشريف فارس بن شامان نائب الشريف محمد بن بركات، الذي يعد الأمير الرسمي للمدينة (1) .
(1) انظر تفصيلات حادثة حسن بن زبيري في: رسائل في تاريخ المدينة المنورة 183 ـ 187، ووفاء الوفاء 2/ 590، والتحفة اللطيفة 1/ 479، 3/ 392.