أما بعد:
فهذه جولة في جوانب ثلاثة من حياة المدينة المنورة في فترة تمتد أربعة قرون، شهدت خلالها المدينة أحداثا كثيرة ومتميزة، ومتغيرات اجتماعية عدة، وأنشطة علمية وأدبية متفاوتة.
ولئن استأثرت الأحداث السياسية بنصيب أوفى من الصفحات فما ذلك إلا لأن أسلافنا عنوا بها أكثر مما عنوا بوجوه الحياة الأخرى فرصدوا الكثير من تفصيلاتها، والكتّاب في العصور التالية مهما اجتهدوا ضيوف على موائدهم، لايستطيعون أن يكتبوا إلا ما يجدون مادته عند من شهد أو سمع أو علم، فليس التاريخ إبداع مخيلة تصنع الوقائع الوهمية إنما هو دراسة وتحليل واستنباط من تراث يقدمه لنا الأسلاف.
ثم إن المعوقات التي ذكرتها في مقدمة البحث: ـ توزع تراث المدينة في مساحات شاسعة، وكون نسبة كبيرة منه حبيسة المخطوطات ـ تسهم في هذه المفارقة، لكن .. ورغم ذلك كله اجتهدت في أن أستخلص من العبارات المتناثرة في كتب التاريخ والتراجم والأدب ما أرسم به صورا أولية لجوانب من الحياة الاجتماعية والحياة الثقافية، وقد تعمدت أن أسمي الفصول التي تضمنتها: (في الحياة الاجتماعية) و (في الحياة الثقافية) لأعبر عن تلك الحقيقة.
ولقد خرجت من هذا البحث وأنا أكثر اقتناعا بأن تاريخ المدينة مازال غنيا بالكنوز المخبأة، وأنه سيفتح أبوابه لكل مجتهد ينقب ويبحث، وأن هذا التاريخ على ما في أحداثه السياسية من جوانب مؤلمة يود المرء لو لم تقع، يحمل في طياته السياسية الأخرى، وفي زواياه الاجتماعية وزواياه الثقافية مايسر كل محب للمدينة، دون أن يخرج عن الحقيقة الموضوعية.
ولعل من أهم ما خرجت به هو أن الحياة في المدينةالمنورة في الفترة التي تحدد بها البحث هي فترة خصبة في العلم والأدب والعلاقات الاجتماعية الطيبة لاتقل عما كانت عليه في كثير من المدن والإمارات الأخرى.