تروي المصادر التاريخية هذه الحادثة بإيجاز حينا وتفصيل حينًا آخر، وخلاصتها كما يلي:
رأى نور الدين زنكي في نومه وهو في الموصل سنة 557 هـ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير إلى رجلين أشقرين ويقول له: أبعد عني هذين الأشقرين (1) ، فقام فزعا واستغفر وتوضأ وصلى ونام فتكررت الرؤيا نفسها مرة ثانية وثالثة. فاستدعى وزيره جمال الدين الأصبهاني وقص عليه الرؤيا فقال الوزير: هذا أمر قد حدث في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس له غيرك. فخرج نور الدين على عجل ومعه وزيره وعدد قليل من المرافقين واستكتم على سفره، فوصل المدينة في ستة عشر يوما. ودخل المسجد فصلى ثم سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلب أن يأتيه سكان المدينة جميعا ليوزع عليهم عطاياه، فجاؤوه واستعرض وجهوهم فلم ير فيهم من رآهما في منامه، فسأل عمن بقي فأخبر أنه لم يبق سوى رجلين مغربيين أو من أهل الأندلس مجاورين وُصِفا بالصلاح والثراء لا يقبلان العطايا، فأمر بإحضارهما، فوجدهما الشخصين اللذين رآهما في منامه، وحقق معهما، فأنكرا أول الأمر، وأنكر أهل المدينة أن يتهما بشئ لما عرف عنهما من نسك وصدقات، فذهب نور الدين إلى منزلهما، وكان قرب المسجد النبوي في مواجهة الحجرة الشريفة. واكتشف بعد التفتيش أنهما حفرا نفقا منه إلى الحجرة وقاربا الوصول إلى القبر الشريف فقررهما، فاعترفا أنهما من النصارى، وأن بعض الملوك الصليبيين بذلا لهما مالا كثيرا ليسرقا جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينقلاه من المدينة. فضرب عنقيهما قرب المسجد، ثم أمر بحفر خندق عميق حول القبور، فحفر حتى بلغ الماء، فصب فيه جدار من الرصاص ورفع فوق الأرض (2)
(1) وردت العبارة في مصادر أخرى: أنجدني، أنقذنى من هذين. وفاء الوفا 2/ 648.
(2) الكواكب الدرية 72، وفاء الوفا 2/ 650، عمدة الأخبار 129.