الجانب السياسي وجه من وجوه الحياة المتعددة في المدينة المنورة وفى كل دولة أو إمارة، يؤثر ويتأثر بالجوانب الأخرى سلبا وإيجابا، وخاصة الجانب الاقتصادي، فاضطراب الحياة السياسية يؤدى إلى اضطراب النشاط الاقتصادي لأن الفتن والحروب والصراع الطويل على السلطة يفقد الكيان الذي يبتلى به الأمن والاستقرار، ويحول دون مزاولة الناس أعمالهم، فضلا عن تنميتها، والعكس بالعكس، يؤدى الاستقرار إلى الأمن والطمأنينة، وتنشيط الفعاليات الاقتصادية في كل ميدان.
غير أن تأثيره أقل من ذلك في الجانبين: الاجتماعي والثقافي، فثمة عوامل أخرى كثيرة تتدخل في تطور هذين الجانبين وتجعلهما أحيانا في خط مغاير تماما لخط السياسة.
فبينما تكون الحالة السياسية متردية والصراع بين المتنافسين على السلطة على أشده والحروب مشتعلة هنا وهناك ينمو الجانب الثقافي وتتعدد ميادينه ويظهر فيه عباقرة مبدعون. ولعل أصدق شاهد على هذه الحالة القرن الهجري الرابع الذي كانت الدولة العباسية تعانى فيه من صراعات لاتحصى، وكانت الثقافة تنمو بشكل مذهل. فكان الشعر والنثر الفني والنقد الأدبي في قمة من قمم النضج.
لذلك ينبغي في دراسة أية بيئة تاريخية أن نستوفي تلك الجوانب جميعها. آخذين في الاعتبار علاقات التأثير بينها، ومدققين النظر في كل منها على حدة، لا لأنها مستقلة عن الأخريات، بل لأن الدراسة المتعمقة تقتضي ذلك.
وتحديدًا لدلالة المصطلح فإن المقصود بالحياة السياسية: الأحداث التي تتعلق بالسلطة: الأحداث الداخلية التي تجري بسببها من جهة، ومن جهة أخرى العلاقات الخارجية بين المدينة وجاراتها .. وسأضيف إلى ذلك من باب الإحاطة: الأحداث المتميزة التي لا تصنف في الجوانب الأخرى، والتي لها تأثير يشبه تأثير الأحداث السياسية كالزالزل والفيضانات وغرائب الأحداث.
وأول ما أنبه إليه هو أن الحياة السياسية ليست الميزان الكامل للحياة في المدينة المنورة ولا الصورة الوحيدة المعبرة عن طبيعتها، لعدة أسباب، أهمها:
أن قسمًا مهمًا من النشاط السياسي لا يشارك فيه في الغالب إلا فئة محدودة من أهل المدينة، هذا القسم هو المتنافسون على الحكم من الأسرة الحسينية، ويلحق بهم أنصارهم من الجنود والأتباع. أما بقية أهل المدينة فهم ــ في الغالب ــ مشغولون بقضاياهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، منغمسون في حياتهم اليومية، ليس لهم من تلك المنافسات إلا الأخبار والإشاعات وما يدور في المجالس يسمرون به.