فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 375

إذا رمت آبار النبي بطيبة

فعدتها سبع مقالًا بلا وهن

أريسٌ وغرسٌ، رومةٌ وبضاعةٌ

كذا بصةٌ قل بيرحا مع العهن

الغرض الثالث الذي وجدته في شعر المدنيين هو المدائح الرسمية وأعني مديح الشاعر للأمراء أو الوجهاء. وهذا الغرض قديم في الشعر العربي أيضًا، اشتهر في العصرين الأموي والعباسي، واستقطب قدرًا وافرًا من شعر فحول الشعراء بدءًا بجرير والفرزدق والأخطل ومرورًا بأبي تمام والبحتري والمتنبي ووصولًا إلى ابن نباتة السعدي.. في العصر الذي ندرسه، كان هذا اللون من المديح شائعًا بين الشعراء.. واللافت للنظر أن الشعر الذي وقفت عليه لأهل المدينة يقل فيه هذا الغرض إلى حد مدهش.. فباستثناء عدد محدود جدًا من الشعراء لا تجد شاعرًا مدنيًا توجه إلى الأمير أو إلى السلطان بقصائده، ولا شك أن اشتغال المجاورين بالعبادة ـ وفيهم كثير ممن قرض الشعر ـ وزهدهم في الاتصال بأصحاب المناصب له أثر في ذلك. ومن جهة أخرى هناك عامل آخر مهم يتعلق بالهيكل الرسمي في المدينة، بالإمارة وأمرائها في ذلك العصر، فقد كانت الإمارة محدودة ودخلها ضئيل، وكان بعض الأمراء يحتاج إلى مبلغ يسد به حاجات رجاله فلا يجد، فيضطر إلى أن يطلب من الميسورين أو يفرض بعض المكوس والجبايات، وبلغ الأمر ببعضهم ـ وكما مر معنا ـ أن اضطر إلى أن يأخذ من حاصل المسجد النبوي (1) .. وهذه الحالة لا تتيح الفرصة لمن يتولى الإمارة أن يلتفت إلى الشعراء ويمنح المادحين الصلات والعطايا، والشعراء عادة لا تجذ بهم الأبواب (الضيقة) والخزائن المتعبة، لذلك لا نجد في أخبار أمراء المدينة ما هو موجود في الإمارات الغنية، وأقربها إمارة مكة، التي شهدت في فترات عدة توجه الشعراء إليها ومديحهم لأمرائها، وحصولهم على هبات مجزية أو رواتب مستمرة.. يستثنى من ذلك خبر أشار فيه السخاوي

(1) انظر: ص 161 من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت