فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 375

فتبدو ولا تبدو سرائر لوعتي

وتخفى ولا تخفى وفي الحال ما يُنبي

وعندما تتسلط الذهنية العلمية على قريحة الشاعر يتحول الشعر إلى نظم ، ويفقد الكثير من حرارة الشعر ونبض العاطفة ، ويصبح الهدف الأول للشاعر تنظيم البيت بشكل هندسي معين وتحقيق نتائج صوتية يريدها ، فيجانس بين الألفاظ ، ويستخدم اللفظة في كل مرة بدلالة جديدة ، وهذا الجهد المقصود يجعل الشعر صناعة ونظمًا ، ومثاله قول محمد بن أحمد بن الجلال (1) :

مثل محبوبي جمال ما نشا

حاز من لين القوام ما نشا

وحشا منذ تبدى قمرًا

شغفًا كل فؤاد وحشا

وفشا دمعي بسري علنًا

يا شفا المهجة بالوصل شفا

لاشك أن القاريء سيبذل جهدًا ـ قد يوازي الجهد الذي بذله الناظم ـ لتنسيق المعنى وفهمه ، أما تذوقه واستساغته فلا يكون إلا لمن يعجب بهذا اللون من الصناعة والتصنع.

غير أن الذهنية العلمية تتحول إلى إيجابيات في ( النظم ) إذا تحولت من تصوير المشاعر والمواقف إلى غرض التعليم ، ويمكن للناظم المجتهد أن يجعل منظوماته متونًا تساعد طلاب العلم على حفظ العلم الذي تنظمه ، لأن الكلام المنغوم أسهل حفظًا وأثبت في الذاكرة من الكلام المرسل المنساب ، وقد تنبه العلماء لذلك منذ القديم فنظموا في علوم شتى. وفي العصر الذي ندرسه نشط عدد من العلماء الذين آتاهم الله موهبة النظم في كتابة ألفيات.. ـ منظومات تتألف الواحدة منها من ألف بيت ـ يجمعون فيها قواعد اللغة والنحو والصرف والتجويد والقراءات.. بل ونظموا في الطب والمنطق.. فظهرت ألفية العراقي في القراءات وألفية ابن مالك في النحو..

وقد شارك بعض شعراء المدينة في النظم العلمي فنظموا في قضايا محدودة مقطوعات ومنظومات غير مطولة.. من ذلك أحمد بن أبي بكر الحسيني الذي نظم مقطوعات في بعض معالم المدينة ، فقال في آبارها (2) :

(1) الضوء اللامع 6/315

(2) السابق 7/162

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت