ومن الأغراض الوجدانية عند المدنيين: الغزل ، وهو غرض إنساني عام لا يكاد يخلو منه شعر شاعر ، غير أن الملاحظ على ما وقفت عليه من غزل المدنيين في هذه الفترة أنه عف هاديء فيه مسحة من الحزن ، يتحدث عن الأشواق والعواطف أكثر مما يتحدث عن المحبوبة ، ويحمل معاني الشكوى من البعد أو الهجر أو إعراض المحبوب أكثر مما يحمل من الحديث عن الوصل والفرحة بلقاء المحبوب.. وهذه من صفات الغزل العذري الذي هذبته القيم الدينية والأخلاقية.. ومثال ذلك قول علي بن يوسف الزرندي (1) :
أشتاق قربك والليالي تبعد
وأروم عطفك والزمان ينكد
ما غيّر الهجر المقيم ولا الجفا
ما كنت من حسن المودة تعهد
إن كان في تلفي رضاك فإنني
أهوى هواك وأبتغي ما يقصد
ومن العجائب أنني لك سائل
والدمع مني سائل متبدد
ولعل من أسباب هذه النزعة العذرية العفيفة أن معظم الشعراء كانوا ممن يشتغلون بالعلم ، فالتقوى من جهة والمكانة الاجتماعية من جهة أخرى تحولان دون توجه الغزل وجهات أخرى.
غير أن الروح العلمية تطغى أحيانًا على الجانب العاطفي وتجعل الصياغة ذهنية باردة. ومثال ذلك قول أحمد بن أبي السعود ، ( ت 870 هـ ) (2) :
لمحبوبي المنجم قلت يومًا
فدتك النفس يا بدر الكمال
يراني الهجر فأكشف عن ضميري
فهل يومًا أرى بدري وفى لي
وتزداد برودة العاطفة عندما يتكلف الشاعر الصياغة اللغوية ، ويحاول أن يضفي عليها شيئًا من جزالة الشعر التراثي القديم ، ومثال ذلك قول أيمن بن محمد التونسي (3) :
وكم رمت كتم الحب عمن أحبه
وكيف يُكتم الحب عن ساكن القلب
إذا اختلج السر المصون بخاطري
تقلب مني القلب جنبًا إلى جنب
(1) السابق 3/272
(2) النجوم الزاهرة 16/216 والشاعر مصري الأصل من الذين جاوروا بالمدينة طويلًا.
(3) نصيحة المشاور 156.