فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 375

وظاهرة كبح عواطف الحزن هذه لافتة للنظر، فلئن كان الفقير يتعزى عن شكواه بمجاورته في المدينة فإن الحزن على الأدب ورثاءه لا يسقطان الهمة ولا يشتتان الأعداء.

وفي هذا الميد ان ـ ميدان الأغراض الذاتية والوجدانية ـ نجد قصائد ومقطوعات يتشوق فيها أصحابها للمدينة، كتبوها عندما كانوا في أسفارهم، وكان بعضهم يرحل سعيًا وراء رزقه، أو بحثًا عن ممدوح يقدر موهبته ويكرمه. ومن هؤلاء محمد بن سعيد بن عبد الله المدني (ت 699 هـ) الذي أنشد قصيدة طويلة يتمنى أن يعود فيها إلى المدينة بعد أن طوحت به الأسفار، ويبوح بأشواقه وحبه العميق لطيبة.. يقول (1) :

أحباب قلبي هل إليكم عودة

ليعود عود الوصل بعد ذهابه

وتعود بالزوراء زورة من له

قلب غدا مستعذبًا لعذابه

يهوى الحجاز وأهله وشعابه

سُقي الحجاز بأهله وشعابه

وسقى ليالي طيبة ورعى بها

زمنًا أتى في عنفوان شبابه

ويبعث علي بن محمد بن الخجندي قصيدة من مصر يتشوق بها إلى المدينة وأهلها ويشكو غربته وفقده لكل معلم من معالم المدينة، فلا شيء في مصر يعوضه عنها، يقول (2)

يا أهل المدينة إن فؤادي

كل يوم يطوف بالشوق سبعا

ما حكى عارض (القرافة) عندي

أبدًا، لا، ولا (المقطم) (سلعا)

إن عطفتم على المحب بوصل

ظل يمشي على المواضع يسعى

أقعدتني يد الحوادث عنكم

سوف تفنى يد الحوادث فدعا

جمع الله شمل كل غريب

وحبيب مع الأحبة جمعا

(1) تذكرة النبيه 1/ 222

(2) التحفة اللطيفة 3/ 248

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت