عاشت المدينة المنورة السنوات الأربعة من إمارة جماز الأولى حياة عادية هادئة رغم عواصف الأحداث من حولها، فقد انتهت الدولة الأيوبية في مصر بقتل توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب وتولي شجرة الدر ثم المملوك عز الدين أيبك الحكم، حيث بدأت دولة المماليك الأولى (1) . وفي مكة كان الصراع بين آل قتادة على الإمارة مستمرًا، يوظف في صراع آخر هو الصراع بين بقايا الأيوبيين في الشام والرسوليين في اليمن (2) وقد شارك جماز بن شيحة في بعض هذه الأحداث أواخر ولايته الأولى، وناصر أبناء عمه الحسنيين على الرسوليين الذين قدموا من اليمن لانتزاعها منهم، ففي شوال عام 652 هـ استطاع الشريفان أبو نمي وإدريس بن قتادة الاستيلاء على مكة، وحكماها معًا وأقاما الخطبة لسلطان مصر المملوكي، إلى أن فاجأهما جيش الرسوليين بقيادة ابن برطاس في الخامس والعشرين من ذي القعدة من العام نفسه، وكان جماز أمير المدينة في مكة، فقاتل معهما ابن برطاس على أبواب مكة، فانتصر الرسوليون وهزم أبو نمي وإدريس وجماز ورجالهم، ودخل ابن برطاس مكة، ومكث فيها إلى أيام الحج حيث قاد وفود الحجيج، ودعا للرسوليين. وفي السادس والعشرين من محرم سنة 653 هـ أعاد أميرا مكة أبو نمي وإدريس تنظيم صفوفهما وانضمّ إليهما أمير المدينة برجاله، وهاجموا ابن برطاس ورجاله، وقاتلوهم قتالًا عنيفًا على أبواب مكة وهزموهم، واسترد شريفا مكة إمارتها، وعاد جماز ورجاله إلى المدينة (3) . ولا شك أن هذا التعاون بين أمير المدينة وأميرَيْ مكة يعني وجود علاقات حسنة بين البلدين طيلة إمارة جماز الأولى، خلافًا لما كانت عليه الحال أيام والده شيحة. ولا نجد أحداثًا متميزة أخرى في تلك
(1) انظر البداية والنهاية 13/ 190 ـ 191.
(2) انظر: العقد الثمين 1/ 176، و3/ 435 وشفاء الغرام 2/ 202.
(3) العقد الثمين 1/ 458 ـ 459. وإتحاف الورى 3/ 76 ـ 77 وذيل مرآة الزمان 3/ 173