وعندما نتذكر الأحداث العاصفة التى كانت تمر بها بلاد الشام ومصر والعراق وعدد من البلاد الإسلامية الأخرى، وسلسلة الحروب بين الزنكيين وأصحاب الإمارات الصغيرة حولها.. والحروب بين المسلمين بعامة والصليبيين أيضًا فإننا سنقبل فرضية حدوث هجرات محدودة إلى المدينة، وخاصة بعد أن صارلها سور يحميها ويحقق لها شيئا من الأمن. كما أن الأموال التي كانت ترسل إلى المدينة قد أسهمت في حدوث شئ من الانتعاش. فقد كان نور الدين زنكي يرسل الأموال لإصلاح المرافق المهمة فيها (1) ، وأرسل الوزير الفاطمي رزيك بن الصالح أموالا لتنفق على الحرمين، ودفع الرسوم المطلوبة من الحجاج لأميريهما، وأموالا للأعراب الذين تمر بهم قافلة الحجاج المصرية لكى لا يتعرضوا لها (2) ، وأرسل صهره ابن أبي الهيجا أموالا أخرى لإصلاح العين الزرقاء فأصلحت قنواتها ومدت قناة منها إلى ساحة باب السلام قرب المسجد النبوي، وأنشئ فيها منزل ينزل فيه السقاة، كما مدت قناة فرعية إلى رحبة المسجد النبوي، ولكنها ردمت بعد سنة بسبب سوء استعمالها (3) .
كان العصر الأيوبي عصر مواجهة شرسة مع الصليبيين، وقد تركزت هذه المواجهة في بلاد الشام ومصر وكانت الجزيرة العربية بعيدة عن المعارك والحروب... غير أن مشاعر العداء المتنامية عند بعض الصليبيين جعلتهم يتجاوزون مواقع الحرب ويخططون للوصول إلى مقدسات المسلمين وإيذائهم فيها، وفى مقدمتها المدينة المنورة. وتذكر المصادر التاريخية حدثين خطيرين شاء الله أن تنقضى خيوطهما قبل أن تتم، كي لا تضاف إلى فواجع المسلمين أنئذ فواجع أخرى لا يعلم إلا الله آثارها الفظيعة. هذان الحدثان هما: محاولة بعض النصارى سرقة جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاولة غزو المدينة.
(1) الكواكب الدرية 16 ـ 17، و درر الفرائد المنتظمة 663.
(2) اتعاظ الحنفا 2/ 171.
(3) انظر: مرافق الحج ص 204.